الصفحة 47 من 200

إن الهيجان الجنسي الذي يؤدي إلى كل هذه الكثرة والرواج لأنواع الفواحش، إنما ينبعث من تأثير الآداب والصور والسينما والمسرحية والرقص، وما إليها من مظاهر التهتّك والتبذّل.

فلا تزال هناك عصابة من أصحاب الثروة الأنانيين يضرمون نار الشهوة في العوام بكل ما يمكنهم من التدابير، يروّجون بذلك بضاعتهم ويُنمون تجارتهم. ثم هناك الجرائد اليومية والأسبوعية، والمجلات الشهرية ونصف الشهرية، المصوّرة، التي تظهر كلها بقصص ومقالات متناهية في الفحش، وصور عارية فاضحة، لأن ذلك أضمن لشيوعها وكثرة انتشارها ويستخدم أصحابها لهذا الأمر أعلى ما حباهم الله من مواهب الفطنة والذكاء والحذق الفني، ومعرفة أسرار النفس البشرية لكي لا يُفلت من كيدهم القارئ المسكين. وليس هذا فقط بل تأتي من وراء ذلك كتب ورسائل تصدر كل يوم من المطابع مملوءة بما شئت من معاني الخلاعة والوقاحة حول المسائل الجنسية وتبلغ من كثرة الشيوع أن تطبع للواحدة منها خمسون ألف نسخة في طبعة واحدة، وربما طبع الكتاب الواحد ستين طبعة أو تزيد. وهناك بعد ذلك، دور للطباعة والنشر قد اختصت بنشر هذه الآداب الجنسية، ولرُبّ كاتب نال الشهرة والعز من طريق الكتابة في هذه المواضيع. وإنه لم يعد الآن تأليف كتاب فاحش مخزاة أو مهانة للمؤلف، بل المؤلفون لمثل هاتيك الكتب، إن نالت لدى الناس حظوة وقبولًا، يجازون إما بعضوية المجمع العلمي الفرنسي، أو بشرف"كروي دونور" ( Creix d honour) .

وتنظر الحكومة إلى كل هذه المظاهر للتبذّل والإغراء والتهييج نظر المشاهد المتفرّج ولا تنكر من أمرها شيئًا .. اللهم إلا أن يذاع شيء متماد في الفحش، فتعترضه الشرطة على الرغم منها، وترفع أمره إلى المحكمة. ولكن لا بأس! فإن هناك محاكم سمحة واسعة العفو لأمثال هؤلاء المجرمين، فتخلي سبيلهم بعد شيء من الزجر. ذلك بأن الذين يجلسون للحكم في تلك المحاكم، يكون معظمهم بأنفسهم من المتمتعين بهذا الصنف من الأدب. ومنهم من يكون قلمه نفسه متلوثًا بتأليف أدب جنسي خليع. وإن اتفق أن يكون فيهم قاض من أنصار الفكر القديم يُخشى منه (جور وعُدول) في تلك القضية، اتفق أكابر الكُتاب والأدباء على التدخل في الأمر، فأعلوا صياحهم في الجرائدة بضرورة وجود الجو الحر في المجتمع لترقية الفنون والآداب، ونادوا أن تقييد الإنسان بقيود الأخلاق على طريقة أهل القرون المظلمة، معناه الأخذ بخناق الفنون الجميلة ومنها من الرقي والازدهار.

ولننظر بأي الطرق يتم للفنون الجميلة هذا الرقيّ والازدهار إنه يتم في أكثره بإشاعة تلك الصور العارية و (الفوتوغرافات) المُظهرة لعملية الفحشاء، التي تُعدّ منها آلاف مؤلفة من المجموعات ( Albums) فتُوزّع، لا في الأسواق والفنادق والمقاهي فحسب، بل على المدارس والكليات أيضًا. وقد كتب أميل بوريسي ( Emile Pouerisy) في تقريره الذي قدّمه إلى الجلسة العامة الثانية لرابطة منع الفواحش:

"هذه الفوتوغرافات الداعرة المتهتّكة تصيب أحاسيس الناس بأشد ما يمكن من الهيجان والاختلال، وتحثّ مشتريها البؤساء على المعاصي والإجرام التي تقشعر من تصوّرها الجلود. وإن أثرها السيّئ المهلك في الفتية والفتيات لمما يعجز عنه البيان فكثير من المدارس والكليات قد خربت حالتها الخلقية والصحية لتأثير هذه الصور المهيّجة. ولا يمكن أن يكون للفتيات -على الأخص- شيء أضر وأفتك من هذه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت