ولقد كان عدد النساء اللاتي كن يحترفن البغاء قبل الحرب العالمية الأولى: نصف مليون، حسبما أعلن موسيو بيولو ( M. Bulo) محامي فرنسا العام في تقريره. ولكن لا يقيسنّ القارئ أمر تلك العواهر المثقفة المهذبة على ما يجد من حالهن في بلاد الشرق. ذلك بأن فرنسا قطر مهذب متمدن، فلا بد أن تكون جميع أموره على درجة عالية من الأناقة والتهذيب والتنظيم. فهناك يُستخدم لهذه الحرفة من الجرائد والبطاقات المصورة، والتليفون ورقع الدعوة الشخصية، لاستمالة قلوب الورّاد. ولا يلوم ضمير الرأي العام على شيء من ذلك، بل ربما عادت اللائي يبرّزن على غيرهن في هذه التجارة، ذوات سلطة ونفوذ غير قليل في السياسة الوطنية والمسائل الاقتصادية وطبقات الأعيان والأمراء، وبكلمات أخرى ينلن من الرقي مثل ما نالته المومسات في التمدن اليوناني فيما قبل.
وصرّح موسيو فردينان دريفوس ( M. Ferdinand Dreyfus) أحد أعضاء المجلس الفرنسي منذ بضع سنوات، أن حرفة البغاء لم تعد الآن عملًا شخصيًا، بل قد أصبحت تجارة ( Business) برأسها، وحرفة منظمة ( Organized Industry) بفضل ما تجب وكالاتها من الأرباح الغزيرة. فلها في هذه الأيام وكلاء يهيئون (المواد الخام) ، وآخرون يتجولون في البلاد، ولها الآن أسواق منظمة، تُستورد فيها وتُصدر منها الفتيات والصبايا كالأموال التجارية. وأكثر ما يُطلب في هذه الأسواق من الأموال هو بنات دون العاشرة". ويكتب بول بيورو:"إن هذا العمل (أي احتراف البغاء) قد أصبح في زماننا نظامًا محكم التركيب، يجري بما شئت من التنظيم على أيدي الموظفين والعاملين المأجورين. ويخدمه ويعمل فيه أرباب القلم وناشرو الكتب والخطباء والمحاضرون والأطباء والقابلات والسياح التجاريون، ويستعمل له كل جديد من فنون النشر والعرض والإعلان"."
ثم لم يقف أمر هذه الفاحشة على دور البغاء ومكامن الدعارة المعروفة، بل هو قد جاوزها إلى الفنادق والمقاهي والمراقص فيجري فيها البغاء علنًا وعلى مشهد من العالم وربما تبلغ البهيمية في القائمين بها أقصى حدود الظلم والقساوة، فييقال إن محافظ بلدية في شرقي فرنسا اضطر إلى التدخل في الأمر سنة 1912م، لإنجاء فتاة كانت قد فرغت في يومها من سبعة وأربعين واردًا، وكان عدد منهم بعدُ بالباب يترتبون!
وجاءت الحرب العالمية الأولى، فابتدعت بدعة (البغاء المتطّوع) علاوة على (البغاء التجاري) المعروف. وبلغ هذا النوع المبتكر للفحشاء من عِظم الشأن أن أكرمت النساء المًحبّات للوطن اللاتي كن خدمن الأبطال المدافعين عن أرض فرنسا وولدن جزاء تلك الخدمة أولادًا لا يُعرف آباؤهم، فلُقّبن بقلب أمهات زمن الحرب" ( God-War-mothers) .. تصوّر قد بلغ والله من الطرافة أن تكاد لغات الشرق تعجز عن ترجمته. فجعلت هؤلاء النساء يتعاطين البغاء بصورة منظمة. وأصبح (تشجيعهن وإعانتهن) فضيلة خلقية عند أولي الدعارة والفجور. وعُنيت الجرائد اليومية الكبرى عناية بالغة باستمالة (رجال العمل) إليهن. وقامت بهذه الخدمة أكثر من غيرها الجريدتان المصوّؤتان السيارتان: فنتاسيو ( Fantasio) ولا في باريزيان ( La vie Praisienne) حتى جاء عدد واحد من هذه الجريدة الأخيرة يشتمل على 199 إعلانا عن أمرهن."