الصفحة 43 من 200

إن ما ذكر آنفا من النظريات. كان من أول آثار شيوعها في الناس وأبرزها، أن أصبح يخدر فيهم الإحساس الخلقي في الشئون الجنسية. وغاض فيهم الحياء والاحتشام، والغيرة والنخوة، وزال عن نفوسهم الفرق بين النكاح والسفاح، حتى أصبح الزنا عندهم عملا بريئًا، لا يعاب ولا ينكر، وليس لإخفائه من لزوم.

وإلى منتصف القرن التاسع عشر بل إلى خاتمته، لم يصب النظرية الخلقية عند عامة الفرنسيس من التغير إلا أن أصبح زنى الرجال هيّنًا طبيعيًا. يغضي الآباء عن دعارة أبنائهم بشرط أن لا تصيبهم بالأمراض السرية ولا تدخلهم في الإجراءات القانونية، بل ربما يستبشرون بها إذا آنسوا لهم من ورائها ربحًا ماديًا، ولا يرون غضاضة في تعلّق رجل بامرأة بدون الزواج. وفي رواياتهم أمثلة من كون الآباء قد ألحّوا بأنفسهم على أولادهم في مخادنة امرأة ذات مكانة اجتماعية أو ذات مال وثروة، ضمانًا للمستقبل الزاهر. ولكن نظريتهم بشأن المرأة كانت مختلفة عن ذلك جدًا إلى تلك الآونة. فكأن عفاف المرأة شيئًا له قدره وقيمته في كل حال. وأولئك الآباء الذين كانوا لا يرون بأسًا بخلاعة أبنائهم وينسبون كل ذلك منهم إلى سَورة الشباب، ما كانوا يرضون أن يروا بأعراض بناتهم دنسًا أو وصمة. وكانت الفاجرات من النساء لا يتبرأن من العيب كالفاجرين من الرجال. وإنّ قالة السوء التي تنصبّ على المومسة في المجتمع، كانت لا تنال الرجل الذي يعاشرها. وكذلك ما كانت التبعة الخلقية في الحياة الزوجية متساوية بين الرجل والمرأة فبينما كان فجور الزوج هنة يغض عنها الطرف، كان فجور الزوجة شيئًا عظيمًا يقوم له الناس ويقعدون.

ولكن تغيرت هذه الحال مع مطلع القرن العشرين. إذ كان من آثار المساواة بين المرأة والرجل، التي نفخت في صورها حركة تحرير المرأة، أن جعل الناس يتهاونون بفجور المرأة كتهاونهم بفجور الرجل. ولم يعد تعلق المرأة أيضًا بالرجل بدون الزواج شيئًا يدنّس عفتها وكرامتها. فيقول بول بيورو:

"لم يقف الأمر عند المدن الكبيرة فحسب، بل قد أصبح الشُبّان في القرى والأرياف أيضًا، يعترفون بأنه ليس لأحدهم حق في توخّي العفة والبكارة في مخطوبته، إذا كان هو نفسه لا يتّصف بالعفاف. وقد عاد من الهين المعتاد في (برغندي) و (يون) وغيرهما من الأقاليم أن تكون الفتاة قد عاشرت عدة من الأخدان قبل زفافها، ثم لاتجد في نفسها حرجًا من حكاية قصة حياتها الماضية لخاطبها عند الزواج. وكل هذا الفجور منها لا يثير سخطًا أو كراهية حتى في أقاربها الادنين، بل هم يخوضون في أحاديث غرامها بانبساط، كأني بهم يتحدثون عن لعبة رياضية أو شغل تجاري. وإذا كان موعد النكاح ودخل الزوج الذي يكون عارفًا، لا بحياة عروسه السابقة فحسب، بل بأخدانها الذين قد بقوا يتمتعون بجسدها إلى تلك الآونة أيضًا، فإنه يحاول جهده ألا يبدو منه ما يوهم الناس أن بنفسه كدرًا، في شيء مما يعلم من مشاغل عروسه الماضية".

ويمضي كاتبا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت