هذا هو الحد الذي بلغه الرقي الفكري في القرن التاسع عشر. ثم ظهر في سماء الفكر مع بداية القرن العشرين صقور جدد، حاولوا أن يحلّقوا في سماء ألى مما سما إليه من تقدمهم: فصدرت سنة 1908م مسرحية لبيير وولف ( Pierre Wolff) وغاستون ليرو ( Gaston Leroux) توجد في إحدى مناظرها فتاتان تناقشان أباهما بمحضر من أخيهما الشاب في حريتهما لأن تلقيا قلبيهما حيثما تشاءان، وتبينان له كيف تكون الحياة بدون الحب أمرّ من العلقم لفتاة في مقتبل الشباب. وهناك فتاة أخرى يعذلها أبوها الشيخ على مخادنتها لفتى، فتجيبه الابنة (الآنسة) :"لله كيف أقنعك يا أبت: فأنت تكاد لا تفهم أنه لا حق لأحد أيًّا كان، في أن يأمر فتاة -ابنته كانت أو أخته- أن تُفني زهرة عمرها بدون أن تحب"!
وجاءت الحرب العالمية الأولى، فزادت سَورة حركة التحرر هذه بل انتهت بها إلى غايتها القصوى، وذلك أن كان أكثر الأمم تأثرًا بحركة منع التناسل، هي فرنسا، فكانت نسبة المواليد فيها إلى الانخفاض منذ أربعين سنة على التوالي، ولم تكن إلا عشرون مقاطعة من مقاطعات فرنسا السبع والثمانين، تربو فيها نسبة المواليد على نسبة الوفيات. وأما المقاطعات السبع والستون الباقية، فكانت نسبة الوفيات فيها أكثر من نسبة المواليد. وكان معدل الوفيات في بعض مقاطعاتها يتراوح بين 130 و170 بإزاء كل مائة مولود. فلما نشبت الحرب العالمية الأولى ودفعت الأمة الفرنسية إلى موقف حرج بين الموت والحياة، أدرك أرباب فكرها بغتة أن هذه الأمة البائسة تفتقر إلى شباب مقاتلين ورجال محاربين، وأنه إن ضُحّي -على الفرض- بذلك العدد القليل من شباب الأمة وفتيانها في سبيل الدفاع عن الوطن في تلك الآونة، فإنه لن تمكن النجاة من كرة العدو الثانية، فكان من انبعاث هذا الشعور في نفوس الفرنسيين أن تملّكت مشاعرهم فكرة الاستزادة من النسل، حتى خبلتهم. وجعل الكتاب والصحفيون والخطباء، وحتى أهل الجد من رجال الدين وزعماء السياسة، كلهم يهيبون بالناس، من كل جانب، وبصوت واحد: أن يُكثروا من التوليد والتناسل ولا يبالوا القيود التقليدية من النكاح والزواج. ونادوا أن العذراء التي تتبرع برحمها للتوليد خدمة للوطن، تستحق العز والكرامة، لا العتب والملام. وكان هذا العصر المضطرب بطبيعة حاله حافزًا قويًا لدعاة الحرية والإباحية، فانتهزوا الفرصة السانحة، وبثّوا جميع ما كان قد بقي في جَعْبة فكرهم الشيطاني من النظريات.
فهذا رئيس تحرير مجلة لا ليون ربيبلكان ( La Lyon Republicain) الذي كان من رجال الصحافة البارزين في عصره، يبحث أنه ما المبرّر لأن يُعدّ الزنا بالإكراه جريمة؛ فيبدي رأيه بما يلي: