الصفحة 33 من 200

"إذا أعوز الفقراء القوت وحملتهم المسغبة على ارتكاب السرقة والقتل والسلب، قيل هيّئوا لهم الخبز، يكفّوا عن السلب والنهب بأنفسهم. ولكن يا ليت شعري لماذا تأخذ النفوس هذه العاطفة -من النصح والمؤاخاة- لضرورة من ضرورات الجسم الطبيعة، ولا تتّسع لضرورة طبيعية أخرى مثلها -لا تقل عنها خطورة- وهي الحب. فكما أن السرقة يلجأ إليها المرء من شدة الجوع، كذلك ينبعث فيه الأمر الذي يؤول إلى الزنا بالإكراه وربما ينتهي إلى القتل، من شدة إلحاح تلك الضرورة التي ليست أقل ركوزًا في فطرة الإنسان من الظمأ والجوع ... إن من الحق أن الشاب الذي هو في عافية صحّة ووفرة قوة، لا يستطيع كبح جماح شهوته العارمة كما لا يستطيع الصبر على جوعه مدة أيام رجاء أن يجد الطعام في الأسبوع القادم. وإن افتقار أحدنا إلى ما يُسكّن شهوته الجنسية في بلادنا هذه التي تتوفّر فيها كل حاجات الإنسان، لا يقل خزيًا وعارًا من فاقة أحدنا من الجوع. وإذا كنا نوزّع الخبز مجانًا على الجياع، فيجب علينا أن نمهّد الأسباب لإشباع الهالكين من جوع آخر."

بقي أن نذكر أن مقالته هذه لم تكن من باب الهزل والفكاهة، بل كتبها الكاتب بكل جد، وقرأها الناس بجد أيضًا.

وفي تلك الأيام اختارت كلية الطب ( Faculty of medicine) في جامعة باريس، مقالًا لدكتور فاضل، ليمنحه شهادة الدكتوراه عليه، فنشره في جريدتها الرسمية، وكان من مضامينه مثل هذه العبارات:

إنا نؤمل أن يأتي علينا زمان ندع فيه الأنفة الكاذبة، فنصرّح من غير استحياء ولا خجل، بأني مرضت -مثلًا- بمرض الزهري في سن العشرين، كما أننا نقول الآن بدون تردد قد بعثوني إلى الجبل لكوني مريضًا بالسل ... ذلك بأن هذه إن هي إلا ثمن يؤدّيه المرء لتمتعه بلذات الحياة. فمن لم يذق مرارتها وقضى شبابه سليمًا منها، فإنه لا ريب وجود ناقص لم يبلغ كماله بعد، وقد قصر في وظيفة كانت من أبسط وظائفة الطبيعية، لجبنه أو لهمود غريزته أو سوء فهمه الناشئ عن ديانته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت