الصفحة 30 من 200

هذه الأفكار، تقدموا بها حوالي سنة 1833م. وهي أقصى ما استطاعت جورج صاند أن تُمْعن إليه. أما المضي بهذا التصور إلى نهايته المنطقية، فلم تجترئ عليه حتى هذه الزعيمة، إذ كانت مع كل حريتها الفكرية واستنارتها العقلية، لا يخلو ذهنها من ظلمة الأخلاق المتوارثة القديمة. ثم خلفتها في أرض فرنسا بعد ثلاثين سنة ونيف، طائفة أخرى من رجال الأدب وعلماء الأخلاق وكتاب المسرحيات، كان على رأسهم الكسندر دوما ( Alexander Dumas) وألفردنا ناكة ( Alfred Naguet) استفرغوا جهودهم لإشاعة الفكرة القائلة بأن الحرية والتمتع بلذات الحياة في ذاته حق فطري للإنسان، ومن عدوان المجتمع على الفرد أن يقيد حقه هذا بسلاسل الأخلاق والتمدن وبينما كانت المطالبة بحرية الفرد في أعماله تقدم فيما قبل باسم عاطفة الحب المقدسة، استضعف المتأخرون هذا الأساس العاطفي المحض، فاجتهدوا لدعم الحرية الشخصية والجموح والفوضى الفردية، على أسس محكمة من العقل والحكمة والفلسفة. حتى يأتي الفتية والفتيات كل ما يشاؤون بقلوب هادئة وضمائر مطمئنة، ولا يجترئ المجتمع على التشكي من غلواء شبابهم، بل يستحسنها منهم ويعدها جائزًا في شرع الأخلاق.

وفي أواخر القرن التاسع عشر قام بول أداوم ( Paul Adam) وهنري باتالي ( Henry Bataille) وبيير لوي ( Pierre Louis) وكثير من الأدباء غيرهم بمهمة نفخ الجراءة الماجنة في الشباب، حتى تتخلص النفوس من الإحجام والنكول الباقي فيها بتأثير التصورات الخلقية القديمة. فهذا بول أدام يسترسل في ملامه للشباب في كتابه ( La moral -de- L amour) لسخفهم وحماقتهم إذ يحاول أحدهم أن يقنع حبيبته أو حبيبه -صدقًا أو كذبًا- أنه متهالك عليها متفان في حبها ولن يتحول عنها أبد الدهر. ويمضي بعد ذلك يقول:

والسبب في كل ذلك أن شهوة اللذات -هذه الشهوة الصحيحة التي قد رُكّبت في فطرة كل إنسان، وليس من الإثم أو السيئة في شيء -تعاب وتزدرى لغلبة الأفكار القديمة على النفوس، فيحتال المرء بلا سبب لإخفائها وراء كلمات ملفقة مزوّقة. ومن أكبر ما يؤخذ على الأمم اللاتينية أن الاثنين المتحابّين منها يتأثم أحدهما من مصارحة الآخر بأنه لا يلاقيه ولا يجتمع به إلا للتلذذ وقضاء شهوة جسدية ليس غير"فينصح الشباب بعد ذلك:"

"عليكم بالتهذب والتعقل والرشد: فلا تتخذوا أدوات متعتكم وأسباب لذتكم [1] إلهًا لكم لا تنصرفون عنه إلى غيره. فإنه لأحمق من يختار لنفسه صنعًا واحدًا في صومعة الحب، ويقيم على عبادته دون غيره. وإنما ينبغي للمرء أن ينتخب صاحبًا جديدًا لكل ساعة من ساعات لذّته ومجونه".

وتقدم بيير لوي هؤلاء جميعًا، فأعلن بملء فيه أن القيود الأخلاقية حائلة في الحقيقة دون نمو الذهن الإنساني ونشوء مداركه. وما دام الإنسان لا يحطّم أثقالها، ولا يتمتع بلذات نفسه وجسده بتمام الحرية فلا يمكنه ارتقاء عقلي أو علمي أو مادي أو روحي. فحاول هذا الأديب بكل ما وسعه من قوة وحزم أن يبرهن في كتابه أفروديت ( Aphrodite) أن بابل والاسكندرية وأثينا وروما والبندقية وكل ما عداها من مراكز المدنية والحضارة كانت على أوج مجدها وأتم ازدهارها حينما كانت الميوعة والإباحية واتباع الأهواء ( Licentiousness) ، فيها على أشدها. ولكنه لما مُنيت الشهوات الإنسانية فيها بقيود الأخلاق والتزامات القانون، تقيدت روح المرء وجمدت في تلك القيود، كما تقيدت فيها أهواؤه وشهواته.

(1) المراد بهؤلاء هم الرجال والنساء الذين يستعملهم رجل أو امرأة لقضاء شهوته الحيوانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت