ويا لهف نفسي لا أملك من الوسائل ما أبلغ به دعوتي إخواني الإنسانيّين في أوربة وأميركا والشرق الأقصى، فإنهم لا يزالون يفسدون معيشتهم، لا لسبب سوى كونهم لم يهتدوا بعد إلى نظام صحيح معتدل للتمدن، وقد جرّوا إلى الخراب أممًا أخرى أيضًا معهم. وليتني أستطيع أن أدلهم على ماء الحياة الذي هم إليه ظماء، وإن كانوا لا يشعرون بظمئهم. على أن مواطني من الهنادك والنصارى والمجوس، على كثب مني، ومعظمهم يفهمون لغتي. فها أنا ذا أدعوهم إلى أن يطهروا قلوبهم مما ران عليهم من التعصب على الإسلام، بسبب نزاعهم التاريخي والسياسي مع المسلمين، ويطالعوا هذا النظام الاجتماعي الإسلامي الذي قد ذكرت خصائصه كما هي، في هذا الكتاب، طالبين للحق متلمسين لمعالمه، ثم يوازنوا بينه وبين النظام الاجتماعي الغربي الذي هم ساعون إيه مفتتنون به. فيحكموا لا لأجل رضايَ أو رضى غيري، بل لأجل مصلحتهم هم أنفسهم: أي الطريقين يضمن لهم الفلاح الحقيقي؟
وبعد خطابي هذا لعامة القراء، أريد أن التفت إلى إخواني الضالين الذين يدعون (مسلمين) ، لأقول لهم بضع كلمات:
إن من إخواننا المسلمين الجدد من يسلّمون بكل ما مضى بيانه في هذا الكتاب ولكنهم يقولون: إن قوانين الإسلام إذا كانت تتسع لكثير من الشدة والتخفيف وفقًا لأوضاع العصر، مما لا تنكره أنت أيضًا، فالذي نتوخاه -أبناء هذا العصر- هو أن نتمتع بالرخصة في تلك القوانين. وذلك أن حوال هذه العصر تقتضي أن يخفف من حدود الحجاب. والحاجة ماسة إلى أن تخرج البنات المسلمات إلى المدارس والكليات، ليتلقين تعليمًا عاليًا ويتحلين بتربية تؤهلهن لفهم مسائل الوطن في نواحي التمدن والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وترشحهن لفض مشاكلها وحل معضلاتها. وبدون ذلك لا بد أن يتخلف المسلمون عن الأمم المجاورة لهم، في ركب الحياة. ويخشى أن يخسرون بذلك في آتي أيامهم أكثر مما قد خسروه إلى الآن. ثم إن الحقوق السياسية التي قد قضوا أخيرًا بإعطائها للمرأة في بلادنا، إن لم تتأهل نساؤنا المسلمات للتمتع بها، أو لم يمكنهن التمتع بها لقيود الحجاب وأغلاله، شالت كفة المسلمين في ميزان السياسة الوطنية، وكفى به من خسران! وها بين يديك مثل الأمم الراقية في العالم الإسلامي، كتركيا وإيران، فكلتاهما قد خففت [1] من حدود الحجاب الإسلامي مراعاة لأوضاع هذا العصر، فعاد ذلك عليها بفوائد لا تنكر، في بضع سنين وأي ضير علينا لو تمثل في ذلك أمثالهم، فنجني من فوائده مثل ما نالهم؟
(1) نعم يقولون (قد خففت) على سبيل الجدل لا غير. وإنما الحق أن كلا منهما قد نسخت آية الحجاب نسخًا.