الصفحة 194 من 200

والحاجز الثاني دون الفهم الصحيح، هو أن الناس إذ فكروا عامة في مسألة من مسائل الإسلام لا ينظرون إلى النظام الذي نتعلق به مجموعًا، بل هم يتناولون ذلك الجزء بعينه منفصلًا عن النظام. ويكون من نتيجة ذلك أن ذلك الجزء يبدو لهم خاليًا من كل حكمة ومصلحة، وتخامر أنفسهم في بابه أنواع الشكوك. هكذا كان صنيعهم في مسألة الربا، إذ نظروا إليها منفصلة عن مبادئ الاقتصاد ونظام المعاش الذي جاء به دين الفطرة -الإسلام. فبدا لهم فيها كثير من المطاعن والمغامز. وعاد حتى أكابر أهل العلم يستشعرون بضرورة ترميمها وتغييرها على رغم أنف مقاصد الشرع. ثم أعيد هذا الخطأ الأساسي في مسألة الرق وتعدد الزوجات وحقوق الزوجين، وما شابهها من المسائل. وهذا الخطأ عينه قد تناول مسألة الحجاب أيضًا بفساده. وإنك إن حبست نظرك على عمود واحد من بناء ما بدل أن تنظر إلى البناء بكامله، كنت لا ريب حريًا بأن تعجب من أمره وتتساءل عن السبب لإقامة ذلك العمود بعينه، وترى وجوده هناك خاليًا من كل مصلحة، ولا تفطن للمناسبة والتقدير الذي قد قدره المهندس في نصبه هناك لحمل البناء، ولا للضرر الذي يلحق البناء كله إذا هدم ذاك العمود الواحد. فمثل هذا العمود هو الحجاب فإنه إذا فصل عن النظام الاجتماعي الذي هو منصوب فيه نصب عمود في البناء، مراعاة لضرورة بعينها ومناسبة معلومة، عميت على العيون جميع مصالحه، ولم يستطع أحد أن يفهم السبب في ضرب الحدود الفاصلة بين الجنسين من النوع الإنساني الواحد. لذلك من المحتوم اللازم لتفهم المرء منفعة العمود ومصلحته أن يصعد النظر إلى كامل البناء الذي هو منصوب فيه.

وها قد مر بك في الصفحات الماضية حجاب الإسلام الحقيقي. ومر بك أيضًا ذلك النظام الاجتماعي الذي وضعت لأجله قواعد هذا الحجاب. ووقفت على جميع أركان هذا النظام، التي قد ربط بها ركن الحجاب باتزان مرعي، ثم طالعت تلك الحقائق العلمية الثابتة التي قد بني عليها هذا النظام الاجتماعي الكامل. فتأمل هذه كلها، ثم قل لي: أين ترى فيها من فطور؟ وأين تجد فيها أثرًا لانحراف عن القصد أو عدول؟ وأي موضع فيها يمكن أن يقترح له إصلاح من جهة العلم والعقل المجرد دع عنك ميول طائفة من الناس مخصوصة. إني أقول على وجه البصيرة إن العدل الذي تقوم عليه السموات والأرض، والاستواء والاعتدال الذي يمتاز به نظام هذا الكون، والتناسب والاتزان التام الذي تراه في تركيب الذرة ووثاقة النظام الشمسي، هو هو الذي يقوم عليه هذا النظام الاجتماعي وأما ما يشين الأعمال الإنسانية من الإفراط والتفريط والميلان إلى جانب دون آخر، فيخلو منه هذا النظام ويتبرأ منه. وليس في طاقة الإنسان أن يعالجه بإصلاح أو ترميم. ولو أنه غيّر فيه أدنى تغيير بإقحام عقله الناقص فيه، فلم يُصلحه، بل هو أحرى بان يُخلّ بتناسبه ويفسده!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت