كل هذه المخاوف والأخطار التي يحذرنا إياها إخواننا، نحن نسلم بها جميعًا كما هي، بل أضف إليها عشرة أضعاف أمثالها إن شئت. ولكن أي غناء يغنيه ذلك؟ وهل شيء من تلك المخاوف مما يجوز لأجله أن يتناول القانون الإسلامي بترميم أو تخفيف؟ إنما مثلهم إزاء تلك الأخطار كمثل رجل يعيش في وسط نجس وخيم، إما راضيًا، لحماقته، أو كارهًا، لضعفه. فيتعذر عليه العمل بقواعد حفظ الصحة، بل يتعسر عليه العيش بدون أن يتلوث بالقذر في تلك الكورة من أهل النجس. فواضح أن الرجل في مثل تلك الحال لا يحق له أن يطالب بإصلاح قواعد الصحة أو التخفيف منها. لأنه إن كان مؤمنًا بصحة تلك القواعد فعليه أن يحارب بيئته لأجلها ويطهرها من نجسها. وإن كان لا يجد في نفسه القوة والجراءة لمحاربة بيئته، وكان لضعفه قد انهزم في وجهها، فليبق فيها ما يشاء، مرتطمًا في حمأتها، وما المبرر لأن تبدل لأجله قوانين الصحة، أو يخفف منها؟ وأما إن كان يعتقد حقًا أن قوانين الصحة المعروفة خاطئة وكان قد ألف بنفسه ما حوله من النجس والدنس، فهو حر في أن يخترع لنفسه ما يشاء من قانون، ويدع قوانين الصحة والصفاء والطهارة جانبًا، لأنهما ما كانت لتتسع لأهواء المائلين بطبعهم إلى القاذورات!
ولا شك أن القانون الإسلامي -كسائر القوانين- يتسع لكل من الشدة والتخفيف باعتبار الأحوال والأوضاع ولكنه كجميع تلك القوانين، يُصر على أن يُنظر إلى تلك الأحوال بوجهة نظرة وبروحه الخاصة لأجل القضاء بتشديد فيه أو تخفيف وأما النظر إلى الأوضاع والأحوال بوجهة غير وجهته، ثم العمد إلى بنود القانون بالقطع والبتر بقص التخفيف منها، فما هو تخفيف، بل هو تحريف واضح صريح. ذلك أن الأوضاع التي ينظر إليها القوم بغير وجهة نظر الإسلام، ثم يطالبون بأن يخفف لأجلها من القانون الإسلامي، إن تأملها عاقل من وجهة نظر الإسلام، فلا بد أن يحكم بأنه لا تتطلب تخفيفًا في القانون، بل مزيدًا من الشدة فيه. فإن القوانين لا يخفف منها إلا إذا كانت مقاصدها لا تزال تتحقق بسهولة بالوسائل الخارجية الأخرى، ولم تكن هناك حاجة إلى زيادة الشدة في التحفظات. وأما إذا كانت مقاصد القانون لا تتحقق بالوسائل الخارجية، بل كانت جميع القوى الخارجية قد تألّبت عليها لتضييعها. وكان حصول تلك المقاصد قد عاد متوقّفًا على التحفظات وحدها، فلا يقول بالتخفيف من القانون في مثل هذه الظروف إلا من جهر روحه كل الجهل.
وقد فصلنا القول فيما سبق من الأبواب أن مقصد القانون الاجتماعي الإسلامي هو حفظ ضابط الزواج، ومنع الفوضى الجنسية، وسد المحركات الشهوانية غير المعتدلة. ولتحقيق هذا المقصد قد اتّخذ الشارع تدابير ثلاثة: أولها إصلاح الأخلاق، والثاني: الحدود والعقوبات، والثالث: التدابير الوقائية. وكأن هذه التدابير أركان ثلاثة قد رفع عليها هذا البناء. وعلى إحكامها وقوتها يتوقف إحكامه. وفي هدمها هدم البناء كله. فتعالوا الآن ننظر في أحوال بلادنا الحاضرة، لنرى ماذا عليه هذه الأركان الثلاثة من القوة والإحكام.