الصفحة 179 من 200

وكل من تأمل كلمات الآية وما فسرها به أهل التفسير في جميع الأزمان بالاتفاق، وما تعامل عليه الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لم يرد في الأمر مجالا للجحود بأن المرأة قد أمرها الشرع الإسلامي بستر وجهها عن الأجانب. ما زال العمل جاريًا عليه منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا اليوم. وأن النقاب مما قد اقترحه القرآن نفسه من حيث حقيقته ومعناه وإن لم يصطلح عليه لفظًا. وكانت نساء المسلمين قد اتخذته جزءًا من لباسهن لخارج البيت، بمرأى من اللذات النبوية التي نزل عليها القرآن، وكان يسمى نقابا في ذلك العهد أيضًا.

نعم! هو هذا النقاب ( Veil) الذي تعده أوربة غاية في الشناعة والقبح. ويكاد الضمير الغربي يختنق حتى من تصوّره، ويعتبره الغربيون عنوان الظلم وسيما الوحشية وضيق الفكر. وهو أول ما يعقد عليه الخنصر إذا ذكرت أمة شرقية بالجهالة والتخلف في طريق التمدن. وأما إذا وصفت أمة في الشرق بكونها سائرة في طريق الحضارة والتمدن، فأول ما يذكر من شواهده بكل تبجح وافتخار، هو كون (النقاب) قد زال عن هذه الأمة أو كاد! ويا لخزيكم يا أصحابنا المتجددين المستغربين إذا تبين لكم أن هذا الشيء لم يخترع بعد زمان النبي بل نسج بردته القرآن نفسه، وروجه النبي صلى الله عليه وسلم في أمته في حياته. على أن شعوركم بهذا الخزي وإطراقكم بالندامة والخجل ليس بنافعكم شيئًا، لأن النعامة إن أخفت رأسها في التراب لرؤية الصائد، فإنه لا يطرد عنه الصائد ولا ينفي وجوده، كذلك إن أشحتم بوجوهكم عن الحقيقة، لم تبطل به الحقيقة الثابتة ولم تمح آية القرآن، وإن حاولتم أن تكتموا هذه الوصمة -كما ترونها- في تمدنكم من وراء حجب التأويل، لم تزيدوها إلا وضوحًا وجلاء. وإذا كنتم قد قرتم هذا النقاب عارًا على أنفسكم وشنارًا، بعد إيمانكم بوحي الغرب، فليس إلى غسله عن أنفسكم من سبيل غير أن تعلنوا براءتكم من الدين الإسلامي الذي يأمر بالأشياء السمجة البغيضة كلبس النقاب وإسدال الخمار وستر الوجوه. إنكم يا قوم تنشدون الرقي وتطلبون الحضارة فأنى لدين يمنع ذات الخدر أن تكون عطر المجالس، ويوصيها بالعفة والحياء والاحتجاب، وينهى ربة البيت أن تكون قرة عين لكل غاد ورائح .. أنى لدين مثل هذا أن يصلح في رأيكم للاتباع؟ وأين هو من الرقي؟ ومن التهذب والحضارة؟ وإنما الرقي والحضارة يقتضيان الآنسة -إذا همت بالخروج من بيتها- أن تنفض يديها من كل عمل قبل ساعتين من موعد الخروج، لتتفرغ فيهما إلى زينتها وتجملها. فتعطر الجسم كله بالطيب، وتلبس اللباس الجذاب الأخاذ، وتبيض الوجه والذراعين بأنواع المساحيق، وتلون الشفتين بقلم الدهان الأحمر Lip Stick وتتعهد قوس الحاجبين وتعده للرمي بسهام النظر. حتى إذا خرجت من البيت رافلة في هذه الزخارف، استهوى كل مظهر من مظاهر زينتها وجمالها القلوب، وجذب الأنظار، وفتن العقول. ثم لا تطمئن نفس الآنسة بعد هذا كله من التظاهر بالجمال، بل تكون أدوات الزينة والزخرفة محمولة معها في عتيدتها [1] ، حتى تتدارك بين حين وآخر كل ما نقص أو ضاع من دقائق زينتها.

(1) العتيدة: الوعاء الذي يكون فيه طيب المرأة وغيره من الأشياء Purse.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت