الصفحة 180 من 200

إن بين مقاصد الإسلام ومقاصد الحضارة الغربية -كما ذكرناه غير مرة فيما سبق- لبونًا بعيدًا وفرقًا شاسعًا جدًا. ومخطئ بيّن الخطأ من يريد أن يفسر أحكام الإسلام بوجهة نظر الغرب. ذلك بأن ما عند الغرب من المقياس لأقدار الأشياء وقيمها، يختلف عن مقياس الإسلام كل الاختلاف. فالذي يكبره الغرب ويعده غاية الحياة الإنسانية، هو في عين الإسلام من التوافه والهنات. وإن ما يهتم به الإسلام ويعظم شأنه هو عند الغرب من سقط المتاع. لذلك كل من قال بصحة المقياس الغربي، فلا بد أن يرى جميع ما في الإسلام واجب الترميم والإصلاح. وإذا مضى فلا يفسر أحكام الإسلام ويشرحها، جاء بها محرّفة عن معانيها، ثم لم يوفق في تطبيقها على الحياة العملية حتى في صورتها المحرّفة، لما يعترض سبيله إلى ذلك من أحكام القرآن ونصوص السنة البينة. فحريّ بمثل هذا الرجل قبل أن ينظر في جزئيات المناهج العملية، أن يتأمل المقاصد التي قد اتخذت للوصول إليها تلك المناهج، وينظر هل هي صالحة للقبول أم لا. وإن هو لم يكن يوافق تلك المقاصد نفسها فأي غناء يغنيه البحث في المناهج التي تختار لتحقيق تلك المقاصد؟ ولماذا يكلف نفسه مسخ تلك المناهج وتحريفها؟ أليس من الأجدر به والأصلح له أن يهجر الدين الذي يخطئ مقاصده؟

وأما إذا كان يتفق مع تلك المقاصد، فلا يبقى البحث بعد ذلك إلا فيما يتخذ لتحقيقها من المناهج، هل هي صحيحة أم لا؟ وهذا البحث يمكن عليه بكل سهولة. ولكن هذه الطريقة لا يتبعها إلا ذوو المروءة والكرم، وهم قليلون! وأما المنافقون الذي هم بطبيعتهم أخبث ما خلق الله في هذا الكون، فلا يزكو بهم إلا أن يدّعوا إيمانهم بشيء، ويؤمنوا في الحقيقة بشيء آخر!

فكل ما لا يزال هؤلاء يخوضون فيه من المباحث حول الحجاب والنقاب، هو صادر في الحقيقة عن هذا النفاق. وقد استنفدوا كل ما في طاقاتهم ووسعهم لإثبات أن هذا الوضع من الحجاب إنما كان رواجه في أمم الجاهلية قبل الإسلام. ثم نزل هذا الميراث الجاهلي إلى المسلمين في بعض العصور المتأخرة البعيدة عن عهد النبوة. ولماذا يتكلفون هذا البحث والتحقيق التاريخي بإزاء النص القرآني الصريح، والعمل الثابت في عهد النبوة، وتفاسير الصحابة والتابعين لمفهوم الآية؟ إنهم يتكلفونه لمجرد أنه كان -ولا يزال- نصب أعينهم من مقاصد الحياة ما هو مقبول شائع في الغرب. وأنه قد رسخ في أذهانهم من تصورات الحضارة والرقي ما نزل إليهم من سمائه. ولما كان لبس الملاءة والنقاب لا يلائم تلك التصورات بحال من الأحوال، فقد جاؤوا بمعول التحقيق التاريخي، ليهدموا به ما هو ثابت في شرع الإسلام. وهذا النفاق البيّن الذي قد تناولوا به هذه المسألة مع غيرها من المسائل، يرجع في أصله إلى ما سبق أن ذكرناه فيهم من خفة العقل وفقد الجراءة الخلقية وعدم التمسك بالمبادئ. ولولا ذلك لما سوّلت لهم أنفسهم أن يأتوا بالتاريخ شاهدًا على القرآن، مع كونهم يدعون الإسلام وينتمون إليه. بل كانوا أحرياء -لو أرادوا أن يبقوا مسلمين- أن يستبدلوا المقاصد القرآنية بمقاصدهم هم، أو يعلنوا انصرافهم عن الإسلام الذي يعترض سبيلهم إلى التقدم والرقي حسبما يفهمونه من معاني الرقي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت