ويتضح من هذه الأقوال جميعًا أنه من لدن عصر الصحابة الميمون إلى القرن الثامن للهجرة، حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد، هو الذي قد فهمناه من كلماتها. وإذا راجعنا بعد ذلك الأحاديث النبوية والآثار، علمنا منها أيضًا أن النساء قد شرعن يلبسن النقاب على العموم، بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي. وكن لا يخرجن سافرات. فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي والموطأ للإمام مالك وغيرها من كتب الأحاديث أن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن"المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين". و"نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب". وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعوّدن الانتقاب ولبس القفازين عامة، فنهين عنه في الإحرام. ولم يكن المقصود بهذا الحكم أن تُعرض الوجوه في موسم الحج عرضًا، بل كان المقصود في الحقيقة أن لا يكون القناع جزءًا من هيئة الاحرام المتواضعة، كما يكون جزءًا من لباسهن عادة. فقد ورد في الأحاديث الأخرى تصريح بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعامة المسلمات كن يخفين وجوههن عن الأجانب في حالة إحرامهن أيضًا. ففي سنن أبي داود، عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى لله عليه وسلم محرمات. فإذا جازوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها. فإذا جاوزنا كشفناه" [1] . وفي الموطأ للإمام مالك:"عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمّر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق، فلا تنكره علينا" [2] وقد ورد في فتح الباري عن عائشة رضي الله عنها:"تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" [3] ."
(1) أبو داود -باب في المحرمة تغطي وجهها.
(2) الموطا -باب تخمير المحرم وجهه.
(3) فتح الباري -كتاب الحج.