الصفحة 177 من 200

والآية هي:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ" (الأحزاب: 59) فهي نزلت خاصة في ستر الوجه. و (الجلابيب) جمع جلباب وهو الثوب الواسع أو الخمار أو الرداء. و (يدنين) أي يرخين. فمعنى الآية بالحرف: أن يرخين جانبًا من خمرهن أو ثيابهن على أنفسهن. وهذا هو المفهوم من (َضرب الخمار على الوجه) والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه، سواء كان بضرب الخمار أو بلبس النقاب، أو بطريقة أخرى غيره. وقد ذكرت الآية من مصالحه أن المسلمات إذا خرجن من بيوتهن متسترات على هذا النحو، علم أهل الريبة من الناس أنهن شريفات، لا إماء ولا متبذّلات، فلم يتعرض لهن منهم أحد.

وجميع المفسرين قد ذهبوا هذا المذهب في تفسير هذه الآية. فيروى عن ابن عباس رضي الله عنه قوله:"أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق بالجلابيب" [1] . وعن ابن سيرين قال:"سألت عبيدة بن سفيان بن الحارث الحضرمي عن قوله تعالى:"قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ". قال فقال بثوبه، فغطّى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه" [2] . ويقول العلامة ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا تتشبّهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول [3] . ويكتب العلامة أبو بكر الجصاص:"في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيتين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن" [4] . وعن العلامة النيسابوري في تفسير هذه الآية: كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة. فأمرن بلبس الأردية وستر الرأس والوجوه. (ذلك) الإدناء (أدنى) وأقرب إلى (أن يعرفن) أنهن حرائر، أو أنهن لسن بزانيات، فإن التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها" [5] . ويكتب الإمام فخر الدين الرازي:"وكان في الجاهلية تخرج الحرّة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم. فأمر الله الحرائر بالتجلبب. وقوله تعالى (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) قيل يُعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن. ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين. لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة [6] ، لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها، فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنى منه" [7] . ويكتب القاضي البيضاوي:"يدنين عليهن من جلابيبهن: أي يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن، إذا برزن لحاجة. و (مِن) للتبعيض. فإن المرأة تُرخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض. ذلك أدنى أن يعرفن: يُميّزن من الإماء والقينات. فلا يؤذين: فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرّض لهن" [8] ."

(1) تفسير ابن جرير الطبري -ج22/ 29.

(2) تفسير الطبري 22/ 29؛ أحكام القرآن للجصاص -3/ 457.

(3) تفسير الطبري -22/ 29.

(4) أحكام القرآن -3/ 458.

(5) تفسير غرائب القرآن على حاشية ابن جرير الطبري ج22/ 32.

(6) "العورة"في المصطلح اسلامي ما يجب سترة من الجسم، على كل رجل أو امرأة غير الزوج أو الزوجة. فما بين السرة والركبة من الرجل أيضًا عورة بهذا المعنى.

(7) التفسير الكبير للرازي -ج6/ 59.

(8) تفسير البيضاوي ج4/ 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت