ويُبيح مِسْور بن مخرمة وقتادة كشف اليدين بزينتهما كالخواتم والقلبين أو السوارين. ولكنهم يفهم من أقوالهما في باب الوجه أنهما لا يُجوّزان إلا كشف العينين منه [1] .
وتدبّر حقيقة هذا الاختلاف بين المفسرين إن هؤلاء جميعًا قد فهموا من قول (إلا ما ظهر منها) أن الله تعالى قد أباح للمرأة إبداء زينة تظهر على الرغم من إرادتها، أو تدعو الضرورة إلى إبدائها. أما أن تعرض المرأة وجهها ويديها عرضًا يستميل الأنظار، فلم يرد أحد منهم. وإنما كلهم قد اجتهد أن يفهم، حسبما أوتي من الفهم وحسبما ارتآه من حاجات النساء: أي شيء تدعو الحاجة إلى كشفه وإلى أي حد تستلزم كشفه؟ وأي شيء قد يظهر بالضرورة، أو هو يظهر أبدًا في عامة الأحوال؟ وبحسب ذلك أدلى برأيه في تفسير الآية. على أنا نقول في هذا المقام أن لا تقيّدوا استثناء (إلا ما ظهر منها) بأمر من تلك الأمور، بل دعوا المرأة المؤمنة التي تريد أن تتبع أحكام الله تعالى ورسوله، ولا ترضى الوقوع في الفتنة، تحكم بنفسها بحسب أحوالها وحوائجها: هل تكشف الوجه أم تستره! وإن كشفته في بعض الحالات، فمتى تكشفه ومتى لا تكشفه؟ ثم أي جزء منه تكشفه وأي جزء تخفيه؟ إن الشارع لم يرد عنه في هذا الباب أحكام قاطعة صريحة. ولا من مقتضى الحكمة، نظرًا لاختلاف الأحوال والحاجات، أن توضع فيه أحكام قاطعة متصلبة. وذلك أن المرأة التي تضطر إلى الخروج لبعض شؤونها وللعمل خارج بيتها، لا بد أن تحملها الضرورة على كشف اليدين وكشف الوجه أيضًا. ومثل هذه المرأة قد رخّص لها في الأمر حسب ما تستوجبه حاجتها وضرورتها. وأما المرأة التي ليس بها شيء من تلك الحاجات، فلا يصح لها أن تكشف شيئًا منهما عمدًا بلا حاجة.
فمقصود الشارع إذًا أنه إن كشفت المرأة شيئًا من نفسها إظهارًا لحسنها وجمالها، فهو إثم. وإن ظهر منها شيء بنفسه بدون أن تتعمد إظهاره، فلا جناح فيه عليها. وإن دعت الحاجة الحقيقية إلى كشف شيء، فجائز ومباح كشفه. وأما السؤال عن الوجه على الأخص، -بصرف النظر عن اختلاف الأحوال- هل يحب الشارع كشفه أو لا يحب؟ وهل جوّز إبداءه كضرورة لا مناص منها، أم ليس الوجه عنده مما يجب إخفاؤه من الأجانب؟ فتهدي في كل هذه الأسئلة آية الحجاب الآتية من سورة الأحزاب:
(1) كل هذه الأقوال قد نقلت من تفسير ابن جرير الطبري وأحكام القرآن للجصاص.