ولماذا هذا كله؟ هل هي نزعة بريئة منزهة؟ وهل ليس في مطاويها الشهوات الجنسية الطاغية التي تكاد تتجاوز حدودها الطبيعية وتنتشر، وتقابلها في الصنف الآخر شهوات مثلها تريد أن تستجيب لمطالبها. إنك أن أنكرت هذه الحقيقة فلكأني بك تنكر غدًا أن يكون هناك في جوف البركان الذي يصعد منه الدخان مادة نارية تكاد تنفجر منه. إنك يا صاح حرّ في عملك، مختار فيما تأخذ أو تترك. ولكن ليس لك أن تنكر الحقائق. إن هذه الحقائق لم تعد خافية، بل أصبحت معلومة معروفة بنتائجها التي تتجلى اليوم كالشمس ليس دونها غمام. وقد يكون لك أن تقبل هذه النتائج لنفسك، بشعور منك أو عدم شعور، ولكن الإسلام يريد أن يحد فتنتها في إبّان نشوئها. لأنه لا ينحصر نظره في مبدأ إبداء الزينة الذي يكون في ظاهره بريئًا من الريبة، بل يتعداه إلى منتهاه الذي لا يخلو من الريبة والفساد، ويعم المجتمع بمثل ظلمة يوم القيامة."مثل الرافلة في الزينة كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها" [1] .
وبينا ينهى القرآن عن إبداء الزينة للأجانب، إذ يستثني منها (إلا ما ظهر منها) . والمراد به الزينة التي تظهر بنفسها على الرغم من إرادة المرء. وقد حاول خلق من الناس أن يستخرجوا من هذا الاستثناء كثيرًا من الفوائد. ولكن المشكلة أن هذه الكلمات لا تتسع لكل ما تشتهي أنفسهم، لأنها إنما يريد بها الشارع، مخاطبًا النساء، أن لا تبدين زينتكن للأجانب عن قصد وإرادة. وأما الذي يظهر منها بعد ذلك من نفسه، أو يبقى ظاهرًا لدواعي الضرورة، فلا جناح فيه عليكن. والمراد واضح كل الوضوح، وهو أن لا تكون نيّتكن إبداء الزينة ولا يكون في أنفسكن أن تُظهرن محاسنكن على الأجانب، أو أن تستملنهم إلى أنفسكن بوسواس الحلي الخفيّ، إن لم يكن أكثر، بل يجب أن تجهدن لإخفاء زينتكن ما وسعكن الجهد. ثم إن ظهر منها بعد ذلك شيء بداعية الضرورة، فلا يؤاخذكن الله عليه. وذلك أن الثياب التي تسترن بها زينتكن لا بد أن تظهر، وتظهر فيها أيضًا قامتكن وهندامكن، كما لا بد أن تضطررن إلى أن تكشفن أيديكن أو جزءًا من أجسامكن لقضاء حاجاتكن. فكل ذلك لا جناح فيه عليكن، لأنكن لم تتعمّدنه بل اضطررتن إليه. وإن كان هناك من شياطين الإنس من يتمتع حتى بهذا الجزء اليسير الذي يظهر من زينتكن فلا تبالين به. إنه سيلقي وبال نيّته الفاسدة بنفسه. اما أنتن فقد قمتن بما كان عليكن من واجب حفظ التمدن والأخلاق.
هذا هو المفهوم الصحيح لهذه الآية الكريمة. وإذا تأملت كل ما رُوي من الاختلاف بين المفسّرين في هذا المفهوم علمت أن أقوالهم جميعًا لا تفيد -على ما بينها من الخلاف- إلا ما قلناه آنفًا.
فقد ذهب ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحسن البصري، إلى أن المراد بالزينة الظاهرة هو الثياب التي تُخفي بها الزينة الباطنة، كالرداء والنقاب.
وقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن عمر وأنس والضحاك وسعيد بن جبير والأوزاعي، وعامّة الحنفية أن المراد بها الوجه واليدان. ويدخل في هذا الاستثناء أيضًا ما كان من الزينة في وجه المرأة ويديها، ككحل العين وخضاب الكف والخاتم.
وعن سعيد بن المسيب قال: وجهها مما (ظهر منها) ويُروى عن الحسن البصري قول يؤيّده.
وتميل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى إخفاء الوجه. فتذهب إلى أن المراد بالزينة الظاهرة هو اليدان وما فيهما من الزينة كالقُلب والفتخة.
(1) الترمذي -باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة.