الصفحة 174 من 200

وأما من هو خارج هذه الحلقة من الرجال. فقد ورد النهي عن أن يبدين لهم زينتهن. بل قد حظر عليهن حتى أن يضربن بأرجلهن في المشي، لكي لا يظهر بالصوت ما خفي من زينتهن، فتتوجه الأنظار إليهن. وإن الزينة التي قد أمرن بإخفائها عن الأجانب، هي التي قد أجيز لهن إبداؤها في دائرة محدودة ذكرت آنفا. والمقصود بهذا كله واضح مستبين وهو أن النساء إن ظهرن في زينتهن وجمالهن على الذين فيهم الشهوة الجنسية، ولم تحوّل الحرمة الأبدية دواعي هذه الشهوة فيهم إلى العواطف البريئة المطهرة، فلا بد أن يكون من عواقبه ما يقتضيه الطبع البشري. ولسنا نقول إن إبداء النساء لزينتهن على هذا النحو سيجعل من كل امرأة عاهرة ومن كل رجل فاجرًا، إلا أنه مما لا يستطيع أحد ان ينكره أن في خروج النساء متبرجات، وفي حضورهن النوادي والحفلات سافرات ما لا يعد ولا يحصى من خسائر نفسية ومادية، ظاهرة وخفية وها هو -بين يديك- مثل النساء الأوربيات والأميركيات اللاتي يهلكن اليوم معظم دخل أزواجهن في زينتهن. وإسرافهن هذا إلى الزيادة والتفاحش يومًا بعد يوم، حتى كادت تضيق عنه وسائل رزقهم [1] فهل في رأيك من باعت لهذا الجنون إلا تلك النظرات المتشوقة التي تستقبل النساء المتبرجات في الأسواق والمكاتب وحفلات المجتمع؟ ثم تأمل ما هو السبب في انبعاث هذا الشوق المفرط في النساء إلى التجمل والتأنق، وانتشاره فيهن كانتشار الداء والوباء أليس هو حرصهن لى أن يحلون في أعين الرجال ويقعن منهم موقع الإعجاب والاستحسان [2] ؟

(1) قد انعقد منذ عهد قريب معرض لصانعي الأدوات الكيماوية، وعلم من بيانات الأخصائيين فيه أن نساء انكلترا تنفق عشرين مليون جنيهة، ونساء أميركا مائة وخمسة وعشرين مليون جنيهة على أدوات زينتهن كل سنة .. وأن 90 في المائة من النساء قد تعودن نوعًا من أنواع الزخرفة والتجميل ( Make up) .

(2) وقد بلغ من هيام النساء بتكلف هذا الجمال أن قد عدن يبذلن في سبيله حتى أنفسهن. فغاية ما تتمناه إحداهن أن تكون هضيمًا خمصانة لا تركب جسمها مضغة لحم زائدة. وما من فتاة اليوم إلا وهمها أن تجعل تقطيع جسمها مطابقًا لما قد قرره الإخصائيون من المقاييس ( Measurements) للصدر والخصر والساق والوركين. كأن الشقية لا ترى لحياتها غاية ومقصودًا سوى أن تحلو في عين الذكور. ولبلوغ هذه الغاية تتجوع المسكينة وتحرم نفسها الغذاء الشهي المنمي، وتجتزئ بعصير الليمون والقهوة المرة وما شاكلها من الأغذية اللطيفة. ثم تستعمل من العقاقير بدون مشورة طبيب، بل بخلاف مشورته ما يهزلها ويضمرها. وقد بقي ولا يزال يفضي هذا الجنون بكثير من النساء إلى الهلاك. ففي بودابست ماتت الممثلة الشهيرة (جوسي لاباس) عام 1937، بوقوف حركة قلبها فجأة. ودل التحقيق في أمرها بعد، أنها كانت لا تزال تعيش عيشة الفاقة والسغب منذ أعوام. وكانت تستعمل القاقير الموصفة ( Parent) لتخفيف الجسم، حتى خانتها قواها فماتت. وتوالت في بودابست نفسها ثلاثة أحداث من هذا القبيل. إذ ذهبت (ماجدا برسيلي) التي كانت لكمال فنها ذائعة الصيت في المجر ضحية لهذا الهيام. وحدث للمغنية (لوئيسازابو) التي سارت أغانيها مسير الشمس، أن خرت صريعة على المسرح وهي تمثل أمام النظارة. وكانت هذه تظل في حزن دائم على أن جسمها لا ينطبق على المقاييس العصرية للجمال، فكانت تتخذ التدابير المتصنعة لحل مشكلتها تلك، حتى نقصت من وزنها بقدر ستين رطلًا .. وكان من نتائجه أن ضعف قلبها جدًا، فسقطت رمية لعشاق الجمال وتبعتها في ذلك ممثلة أخرى (أيمولا) بالغت في التخفيف من جسمها بالتدابير المتصنعة إلى أن أصيبت في عقلها بالخبل الدائم، فأخذت طريقها إلى مستشفى المجانين بدلًا من منصة المسرح. وهؤلاء إنما كن من الشخصيات البارزة، فقرأنا أخبارهن في الجرائد ومن يدري كأين من النفوس المغمورة يقضي عليها أو يخرب صحتها هذا الجنون من التجمل والتحالي في أعين الرجال؟! فقل لي بربك: هل هذا كله حرية المرأة أو عبوديتها؟ وما هذه الحرية الزائفة التي قد زادت من استيلاء أهواء الرجال عليهن، وابتلتهن باستعباد قد حرمن معه الحرية حتى في الأكل والشرب والتمتع بالصحة، وعادت كل حياتهن ومماتهن مقصودًا به الرجال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت