وهاتان النظريتان ما وضعتا من مكانة المرأة وحطتا من شأنها في حقول الأخلاق والاجتماع فحسب، بل كان من مفعولهما القوي ونفوذهما البالغ في القوانين المدنية أن أصبحت الحياة الزوجية مبعث حرج وضيق للرجال والنساء بجانب، وبجانب آخر انحطت منزلة المرأة في المجتمع في كل ناحية من نواحي الحياة. فكل ما وُضع في العالم الغربي من القوانين بتأثير الشريعة المسيحية، لا تخلو من الخصائص الآتية:
1 -جُعلت المرأة تحت سلطة الرجل الكاملة، من الوجهة الاقتصادية وعادت حقوقها في الإرث محدودة وأما حقوقها في الملكية فكانت أنزر وأقل. وما كان لها حق حتى في كسب يدها، بل كان كل ما عندها ولها ملكًا لزوجها.
2 -الطلاق والخلع لم يكونا مباحَين في حال من الأحوال فمهما بلغ الفرك (البغض) والتنافر بين الزوجين، ومهما بلغ الشقاق بينهما في إفساد العشرة عليهما وجَعْل بيتهما قطعة من العذاب، كان الدين والقانون يحتمان عليهما دوام العشرة وبقاء حبل الزوجية بينهما متصلًا: وأقصى ما كان يمكن فعله في بعض الأحوال الشاذة البالغة من الشدة غايتها، أن يقطع ما بين الرجل والمرأة من الأسباب ويفرّق بينهما تفريقًا. على أنه ما كان لذلك الرجل أو تلك المرأة بعد ذلك أن يجدد الحياة الزوجية ويختار لنفسه زوجًا موافقة أو بعلًا مواتيًا. والحق أن كان هذا العلاج أكثر ضررًا وأشد خطبًا من ذلك المرض، إذ هما كانا بعد ذلك بين اثنين: إما أن يختارا عيشة الرهبان والراهبات، أو يتعاطيا الفجور ويتساقيا كؤوس الفحشاء طول أعمارهما الباقية.
3 -وكذلك كان من أقبح العار أن يتزوج الرجل أو المرأة ثانية إذا توفي عن أحدهما زوجه، بل هو عندهم من كبائر الإثم. وكان من رأي علماء الميسحية فيه أنه إذعان للشهوات البهيمية، وإطلاق لعنان غريزة الفحشاء، وكانوا يعبرون عن القران الثاني بكلمة (الزنى المهذب) . أما رجال الكنيسة فلم يكن النكاح مباحا لهم في قانون الكنيسة. وكذلك القانون المدني العام ما كان يجيز ذلك في بعض الأقطار. وأما الأقطار التي كان يسمح به فيها القانون، فما كان يترخص فيه هناك الرأي العام الذي كان متأثرًا بالنظريات والتصورات الدينية.