ثم جاء عصر النصرانية في أوربة، وأرادت أن تتدارك الفوضى الخلقية في عالم الغرب بالعلاج الناجع والبلسم الشافي. ومما لا ريب فيه أنها أدت خدمات جليلة في أول أمرها. فقد سدّت السبل في وجه الفحشاء وقضت على العري في كل ناحية من نواحي الحياة، ودبّرت الحيل والطرق المؤثرة لاستئصال شأفة الدعارة، وجعلت المومسات الراقصات والمغنيات يتُبْن ويرتدعن عن غبّهن ومكاسبهن الفاسدة، وجهدت جهدها لتنشئة القوم على الأخلاق الزكية والآداب السامية إلا أن الفكرة التي كان يحملها الآباء المسيحيون عن علاقة ما بين الرجل والمرأة، كانت قد جاوزت حد التطرف في جانب، وكانت حربًا على الفطرة البشرية في جانب آخر.
فمن نظريته الأولية الأساسية في هذا الشأن أن المرأة ينبوع المعاصي وأصل السيئة والفجور. وهي للرجل باب من أبواب جهنم من حيث هي مصدر تحريكه وحمله على الآثام. ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء، فبحسبها ندامة وخجلًا أنها امرأة، وينبغي أن تستحيي من حسنها وجمالها، لأنه سلاح إبليس الذي لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة وعليها أن تكفّر ولا تنقطع عن أداء الكفارة أبدًا، لأنها هي التي قد أتت بما أتت به من الرزء والشقاء للأرض وأهلها. ودونك ما قاله ترتوليان ( Tertullion) أحد أقطاب المسيحية الأول وأئمتها مبينًا نظرية المسيحية في المرأة:
"إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان. وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة، ناقضة لقانون الله، ومشوهة لصورة الله -أي الرجل-".
وكذلك يقول كرائي سوستام ( Chry Sostem) الذي يعدّ من كبار أولياء الديانة المسيحية في شأن المرأة:
"هي شر لا بد منه، ووسوسة جبلية، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة ورُزْء مطلي مموّه".
أما نظريتهم الثانية في باب النساء، فخلاصتها أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة هي نجس في نفسها، يجب أن تُتجنب، ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمي مشروع، هذا التصور"الرهبني"للأخلاق الذي كانت جذوره تكاد تتأصّل في أوربة من قبل بتأثير الفلسفة الإشراقية ( Neo-platonism) جاءت المسيحية فزادته شدة وبلغت به منتهاه. وذلك أن أصبحت حياة العزوبة مقياسًا لسمو الأخلاق وعلو شأنها كما صارت الحياة العائلية علمًا على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع. وجعلوا يعدّون العزوبة وتجنب الزواج من أمارات التقوى والورع وزكاء الأخلاق، وأصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة أن لا يتزوج أصلًا، أو لا يعاشر امرأته معاشرة الزوج لزوجته، على الأقل. وكذلك قرروا ووضعوا القوانين في مؤتمراتهم الدينية المتعددة بأن لا يختلي رجال الكنيسة بأزواجهم، وأن لا يتلاقى الرجل منهم والمرأة إلا بمرأى من الناس، أو أمام رجلين من رجالهم على الأقل. وما آلوا جهدًا في أن يثبتوا في قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية وتنجّسها. وخذ لذلك مثلًا أن كان شائعًا بينهم، أن الزوجين اللذين اتفق لهما أن يبيتا معًا ليلة عيد من الأعياد، لا يجوز لهم أن يعيّدا ويشتركا مع القوم في رسومهم ومباهجهم. كأني بهم يرون أنهما قد اقترفا إثمًا سلبهم حق المشاركة في حفل ديني مقدّس عندهم. وقد بلغ من تأثير هذا التصور"الرهبني"أن تكدّر صفو ما بين أفراد الأسرة والعائلة من الأواصر، وحتى ما بين الأم والولد منها. إذ أمسى كل قرابة وكل سبب ناتج عن عقد الزواج يعد إثمًا وشيئًا نجسًا.