فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 70

وتجربة عبد الناصر يوم أن دفع من قبل المسلمين إلى الحكم ثم ذبح المسلمين والحركة الإسلامية، وتفرد الشيطان الرجيم يذرع الأرض شرقا وغربا .

هذان الطرحان معقولان ومقبولان لدى البعيدين عن أرض أفغانستان، أما عندنا فهي بعيدة كل البعد عن القضية المطروحة الآن، القيادة التي كانت تمسك الزمام في الجزائر لم يكن فيها واحد يقول: نريد أن نحكم الإسلام، لم يكن في القيادة العليا التي طرحت في الجزائر; لم يكن واحد يطرح الطرح الإسلامي كقيم ومبادىء، حياة وقانون يطبق على الناس وفي عالم البشر. الطرح القومي كان مطروحا والطرح الإشتراكي المعتدل، والطرح الشيوعي المتطرف، وكان أشدهم تطرفا فيما بعد (بومدين) الذي قال: لم نصنع البارود مرة أخرى إنها اشتراكية ماركسية، علمية لينينية لا نحيد عنها.

أما الآن في أفغانستان فالقضية قضية أخرى، لقد انتهت الشيوعية في داخل أفغانستان، ولم يعد بمقدورها أن تتنفس التنفس الطبيعي وهي تلفظ أنفاسها في هذه الأيام الأخيرة، فقطعا وفي نظرة البشر لم يعد للشيوعية أي جذور، لقد استلت من جذورها من أعماق الشعب كله، الشيوعية زائلة لا محالة بإذن الله ولا يمكنها الإستمرار، إنه عبث ضد طبائع الأشياء.

فطرح الشيوعية في داخل أفغانستان الآن مفروغ منه ولا مجال لمناقشته، وبقي الطرح الغربي الذي يتخوف الناس منه أن يكون هو البديل بعد هذه التضحيات التي فاقت خيال البشر أحيانا ، إن الخيال البشري لو أراد قبل عشر سنوات أن يتصور آمالا عراضا تصل إليها أفغانستان لم يكن بمقدوره أن يصل في الخيال وفي بنات الأفكار إلى الواقع الذي تعيشه أفغانستان الآن.

لهم عذاب في الحياة الدنيا:

ما رأيت آية -من سورة فصلت- مجسدة في عالم الواقع وفي دنيا الناس أكثر منها في هذه الأيام في الشيوعيين.

(فأذاقهم الله عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) .

(فصلت: 61)

في الثالث عشر من صفر الماضي وقبل عشرين يوما تقريبا جمعني الله عزوجل بقدره وفي قرية من قرى بنجشير اسمها (بارندي) وعلى مقربة من القرية التي كانت مسقط رأس البطل أحمد شاه مسعود، اجتمعت مع مجموعة من قادة كابل: محمد أنور، صوفي رسول، محب الرحمن، أختر محمد، مجموعة كبيرة من قادة كابل وبحضور جمع كبير من المجاهدين في خطم أحد الجبال في داخل بنجشير، قلت لهم: حدثونا عن الشيوعية وما هو واقعها الآن... وحول كابل التي كانت قبل عشر سنوات يقف الشيوعي فيها فلا يستطيع مسلم أن يظهر نفسه أنه يصلي أو يصوم ويتظاهر الناس بالإفطار خوفا من أن يعرف أنهم يقومون بفريضة الصيام في هذا الشهر. قلت لهم: واتقوا الله فيما تقولون، إذ نحن ننقل للعالم الإسلامي، وأنتم مسئولون عن كل كلمة غدا بين يدي الله عزوجل.

وكان عبد الله أنس ورباني يتناوبان الترجمة لي من الفارسية إلى العربية، فتولى أختر محمد الترجمة لكلام هؤلاء القادة، قال أختر محمد: لقد كان الشيوعيون (2) [الشيوعيون الروس] . قبل سنوات يقولون للشيوعيين المحليين: لا يمكنكم أن تثب توا أقدامكم في هذه البلاد، مستقبل هذه البلاد إما أن يكون بأيدينا أو بأيدي هؤلاء البسماش -البسماش يعني الأشرار، الذين يعيشون فوق الجبال، ويشيرون للمجاهدين-. ومرت السنوات القليلة وجاءت بمصداق ما كان يتوقعه الروس في تلك الأيام.

إن الروس قد شعروا أنهم قد خدعوا من الحزب الشيوعي الأفغاني، ويعيشون آلاما حبيسة وغصصا كمينة، تجرعوها عبر هذه المسيرة المريرة التي لم يروا مثلها في حياتهم، ورأوا أن السبب الحقيقي لهذا كله هو خدعة هذا الحزب الشيوعي الأفغاني لهم، إذ صور لهم أن أفغانستان طعم سائغ وصيد سمين لا يكلفكم شيء إذا تخطت أساطيلكم البرية نهر جيحون، أو قطعت أساطيلكم الجوية نهر جيحون (آمو دريا) .

ودارت الأيام ومرت السنون، وكل لحظة منها بسنة والخسارة تلو الخسارة، والهزيمة تلو الهزيمة.

يقول أحمد شاه مسعود: وفي محادثات سنة (2891م) وقد أشرت إليه في خطبة سابقة; كان (مير داد) الشيوعي البنجشيري المعروف معنا في الهدنة التي عقدناها، وانطلق رئيس اللجنة على سجيته في ليلة ثالثة بعد بدء المفاوضات يقول: أنت لا تعلم الآلام التي نعيشها، إننا نعيش حالة نفسية عجيبة وهذا الرجل الأحمق -وكان قد مات (بريجنيف) - قد ألقانا في هذه المحرقة، ثم تركنا كل همنا الآن في أفغانستان أن نحل القيد الذي وضعه بريجنيف في أرجلنا.

قال أحمد شاه: وهممت أن أسجل هذا الكلام ولكن رأيتها خسة ترتفع عنها أمانة المجالس،ثم أشار إلى (مير داد) قال: إن هؤلاء (وطن فروش) -يعني: بائعوا الوطن- هم الذين ألقونا في هذه المهلكة، وزجوا بنا في هذه المحرقة، وهذا الشيوعي الأفغاني البنجشيري (مير داد) ابتسم ابتسامة الذليل الحقير المهين.

قال أختر محمد: لقد آن للروس الآن أن ينفسوا عن أحقادهم الكمينة الخبيثة ضد الحزب الشيوعي الأفغاني، وكانوا ينتظرونها منذ سنوات أن يعلن أحد رؤسائهم عن قبوله للإنسحاب، وأعلن غورباتشوف في العام الماضي أننا سننسحب من أفغانستان -سواء قبل الغرب، وقعوا معنا المعاهدة أم لم يوقعوا- لأن غورباتشوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت