الصفحة 31 من 183

ولقد وقفت الكنيسة وقفة عنيدة في وجه هذا الاتجاه الجديد المنبثق من منبع الثقافة الإسلامية في الأندلس وفى الشرق كذلك0 وقابلت نتائج بحوث الطليعة من العلماء الأوروبيين الذين استقوا من ذلك النبع، بجفوة وعداء شديدين، واستخدمت سلطانها ضدهم بوحشية كان من جرائرها ذلك الشرود من الكنيسة، إلهها الذى تستطيل باسمه زورًا وبهتانًا، ومن كل ظل للدين وللتوجيه الدينى0 فقد كان كل اعتراف أو خضوع للدين معناه الاعتراف والخضوع لهذا الطغيان الكنسى الغشوم0

وعندئذ كان ذلك الفصام النكد بين الدين والعلم حتى مطلع القرن العشرين في أوروبا، وظل اندفاع الناس- والعلماء خاصة- في شرودهم الآبق عن الدين كله (( كأنهم حمر مستنفرة0 فرت من قسورة ) )00 ولم يهدأ هذا الشرود- شيئًا ما- إلا في مطلع القرن العشرين0 حيث جعل بعضهم يقف ليلتقط أنفاسه اللاهثة، وهو يحس بالخواء الروحى من آثار الرحلة الجاهدة، في التيه المقفز، نحو أربعة قرون00

وما بنا- في هذا البحث المجمل- أن نستعرض بالتفصيل كل الملابسات والظروف، التى أحاطت بهذا الفصام النكد- في أوروبا- بين العلم والدين (1) ، ولا أن نصور بالتفصيل مدى اللأواء والشقوة التى عانتها البشرية كلها، وهى تشرد من الله، وتتخلى على كل ظل لمنهجه للحياة0 وتعادى هذا المنهج، وتبتدع لنفسها- بجهلها المطبق- مناهج من عند أنفسها طوال هذه القرون0

ولكننا سنحاول فقط اختيار بعض النماذج لتخبط البشرية في التيه الطويل0

(1) يراجع بتوسع في هذا الموضوع كتاب (( المستقبل لهذا الدين ) )فصل (( الفصام النكد ) )0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت