الصفحة 18 من 183

(( إن معرفة نفوسنا لن تصل أبدًا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، الجمال، التى بلغها علم المادة0 إذ ليس من المحتمل أن تختفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان00 فعلينا أن ندرك بوضوح أن علم الإنسان (( هو أصعب العلوم جميعًا ) )0

وهكذا يتضح من تقريرات هذا العالم الكبير، الذى أتيحت له فرصة الاطلاع على نتائج البحوث الضخمة، أن هناك فارقًا أساسيًا بين علوم المادة وعلوم الحياة0 وأن هناك بالذات فارقًا أساسيًا بين طبيعة علوم المادة، وطبيعة علم الإنسان، وبين طبيعة موقف العقل من هذه وتلك0 وأن هذا الفارق كامن في أمرين ثابتين، لا يتعلقان ببيئة ولا زمان، ولا بظروف وقتية مرهونة بالزمان والمكان00 هما:

تعقد الموضوع0

طبيعة تركيب عقولنا0

وأن تقدم الإنسان في علوم المادة، وإبداعه في العالم المادى، وصحة بحثوه ونظرياته في ذلك الحقل، لا تقتضى تقدمه في علم الإنسان، ولا صحة بحوثه ونظرياته في هذا الحقل0 وأن هذا الحق غير ذاك0 في طبيعتهما أولًا، ثم في مدى التقدم الذى وصل إليه الإنسان بالفعل ثانيًا0 ثم فيما ينتظر تقدم الإنسان في كليهما ثالثًا0

وأن (( جهلنا مطبق ) )بالإنسان كما يقرر (( العالم ) )الكبير000

هذا الواقع (( العلمى ) )عن: (( الجهل المطبق ) )بالإنسان- مع العلم النسبى بالمادة- نتيجة متوقعة، وثمرة طبيعية، لحقيقة دور الإنسان في الأرض، وغاية وجوده الإنسانى في الكون، كما تبدو من خلال التصور الإسلامى00 والإسلام00 يرتب على هذه الحقيقة نتائجها، فيطلق يد الإنسان في عمارة الأرض، واستخدام طاقاتها وخاماتها0 والتحليل فيها والتركيب، والتحوير فيها والتعديل00 بينما هو يضع لهذا الإنسان منهج حياته، الذى يحكم هذه الحياة، ولا يكل إليه هو وضع هذا المنهج، لأنه مزود بطاقات معينة ليتحكم في المادة عن علم- نسبى طبعًا- بينما هو غير مزود بمثل هذه الطاقات لمعرفة نفسه، حتى يتحكم في أمرها عن علم كما يتحكم في المادة0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت