الصفحة 16 من 183

(( وثم سبب آخر للبط الذى اتسمت به معرفتنا لأنفسنا00 وذلك أن تركيب عقولنا يجعلنا نبتهج بالتفكير في الحقائق البسيطة، إذ أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولى حل مشكلة معقدة مثل تركيب الكائنات الحية والإنسان00 فالعقل- كما يقول برجسون- يتصف بعجز طبيعى عن فهم الحياة00 وبالعكس فإننا نحب أن نكشف في جميع العوالم، تلك الأشكال الهندسية الموجودة في أعماق شعورنا00 إن دقة النسب البادية في تماثيلنا، وإتقان آلاتنا، يعبران عن صفة أساسية لعقلنا00 فالهندسة غير موجودة في دنيانا وإنما أنشأناها نحن0 إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبدًا بالدقة التى تتصف بها وسائل الإنسان0 فنحن لا نجد في العالم ذلك الوضوح وتلك الدقة اللتين يتصف بهما تفكيرنا00 ومن ثم فإننا نحاول أن نستخلص من تعقد

الظواهر، بعض النظم البسيطة التى تربط بعض عناصرها بالأخرى علاقات معينة، تكون قابلة للوصف حسابيًا0 وقدرة الاستخلاص هذه التى يتمتع بها العقل البشرى مسئولة عن ذلك التقدم الرائع الذى أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء0

(( ولقد لقيت الدراسة الطبيعية- الكيماوية للكائنات الحية نجاحًا مماثلًا، فقوانين الطبيعة والكيمياء متماثلة في عالم الكائنات الحية وعالم الجماد- كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد- وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديثة مثلًا، أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة، وأن النشاط الذى تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر00 الخ، وأن النواحى في الأشياء الأخرى الموجودة في العالم المادى0 تلك هى المهمة التى نجح علم الوظائف العام في تحقيقها0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت