الصفحة 9 من 155

هذا، وتعال نستعرض الآن مكانة نظرية دروين العلمية ووزنها في ميزان العقل والمنطق. إن أصعب مسألة من مسائل علم الحياة ( Biology) قد استبهمت على علماء الطبيعة، ألا وهي: ما هو مبدأ الحياة؟ أما القرآن فيقول مجيبًا عن هذا السؤال: إن مبدأ الحياة هو أمر الرب سبحانه وتعالى، وإن الرب هو الذي ينشئ آثار الحياة في مادة ميتة. وأما الذين ظلت العلوم التجريبية الحاضرة تنمو وتتقدم على أيديهم في الغرب منذ عهد البعث، فما زالوا يحاولون التملص من إقرار وإحساس بوجود ما فوق الفطرة ( Super natunal) وسلطانه وتصرفاته، وظلوا يتمنون منذ بدء أمرهم لو عثروا في داخل معمل الفطرة أي الكون نفسه على قوة توجهه. فهذا الخطأ الأساسي قد خلق لهم مسائل صعبة متعددة ما وجدوا لأنفسهم مناصًا لحلها إلا باللجوء إلى القياس والخرص والرجم بالغيب. فبالقياس والرجم بالغيب أرادوا أن يحلوا عقدة بدء الحياة، وبالقياس والرجم بالغيب أرادوا أن يجدوا إجابة للتساؤل عن سبب التنوع في الحياة، وسبب التفاضل بين مختلف الأنواع؟ فدروين من أولئك الذين حاولوا بحث هذه المسائل بهذا الأسلوب، ولكنه ما قال أبدًا أنه قد أدرك الحقيقة، كما أن علماء العلوم الطبيعية القائلين بنظريته هم أيضًا لا يعتبرون قياسهم حقيقة وفكرتهم واقعًا. غير أن الذين ما مستهم إلا نفحة يسيرة من نظرية دروين سمعوا بها من مكان بعيد، نراهم يلهجون بذكرها ويبدءون القول فيها ويعيدونه كأن الحقيقة تكشفت لهم جلية وتماثلت بين أيديهم لامعة.

ولو أن دروين انطلق في بحثه من تلك النقطة التي يبينها القرآن للبحث في هذه المسألة، لما انتهى إلا إلى هذا التنوع والتفاضل في مختلف أنواع الحياة وأجناسها وصورها، الذي يلمح في كل شيء في هذا الكون من الجزئية وحيدة الخلية ( Unicellular Molecule) إلى الإنسان المتكامل بترتيب لا نظير له، إنما هو نتيجة لتخطيط حكيم مدبر، وأن تخطيط هذا الحكيم المدبر هو الذي -بعد أن هيأ لمختلف أنواع الحياة بيئة تناسبها وظروفًا توافقها- ما زال يخرجها إلى حيز الوجود بمزاياها المخصوصة المتنوعة بالتدريج. كما أنه بجانب ذلك يمحو الأنواع التي ما بقيت إليها حاجة في مخططه. إلا أن هؤلاء -كما قلنا آنفًا- يريدون أن يتملصوا بأي وجه ممكن من الاعتراف بوجود واضع هذا التخطيط، ولا يحبون أن يروا في معمله آثار عمله، فنجد أنهم يفسرون ما يشاهدونه بطريق يثبت لهم أن هذا المعمل يسير بنفسه ويتطور بنفسه، وهكذا فسر دروين التنوع والتفاضل في أنواع الحياة بتلك النظرية للتطور والارتقاء التي تعرف اليوم باسمه، ولأجل هذا فإن أوربا التي كانت إلى ذلك الحين إنما تسيّر إلحادها بدون أرجل، هرولت إلى تلقي هذه الأرجل الخشبية بكل قبول، ووضعتها تحت كل شعبة من علومها الطبيعية، بل وفي فلسفتها وأخلاقها وعلومها للعمران، مع أنه كان ولا يزال في هذا التفسير من الوجهة العلمية والعقلية، اضطرابات كثيرة لا يمكن لعاقل أن يقول معها أن هذا التفسير تفسير وجيه أو هو من التفاسير الجديرة بالاعتبار.

وها أنا ذا أحاول الآن أن أبين لكم الضعف الأساسي الحقيقي الكامن في نظرية دروين بمثل أضربه لكم متجنبًا فيه ما استطعت أسلوب النقد الفني المعقّد والبحث العلمي الدقيق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت