الصفحة 10 من 155

هب أن أستاذًا للعلوم التجريبية يأتي من المريخ إلى الأرض بمرافقة جماعة من تلاميذه، وهدفه أن يقوم في هذه الأرض بتحقيقات علمية، وهب كذلك أن في بصر هذا الأستاذ ومن معه من التلاميذ غطاء يحول بينهم وبين أن ينظروا إلى الإنسان على وجه هذه الأرض، فلا يشاهدون إلا مصنوعاته وأدوات حضارته ومقوماتها دون أن يشعروا بوجوده. فالمصنوعات الإنسانية التي يشاهدها هذا المحقق على وجه الأرض، يجد فيها فروقًا واضحة من ناحية الأشكال والأنواع، كما يحس أن بعض هذه المصنوعات أفضل من بعضها، كما ينتهي به العلم أثناء التحقيق إلى أن هناك أشياء لم تكن رائجة من قبل وإنما لاقت الرواج فيما بعد، وأن هناك أشياء كانت رائجة فيما سبق ولا تزال رائجة حتى اليوم، وأن هناك أشياء كانت رائجة في غابر الأزمان، ولكن ما بقي لها رواج في الوقت الحاضر. فيمكث هذا المحقق حينًا من الدهر يرتب في ذهنه ما في هذا المنظر المبعثر من أشياء وأدوات إلى أن يقسم هذه الأشياء المنوعة ويضع لها الدرجات باعتبار أنواعها وأصنافها، ثم يخطو خطوة أخرى في ميدان التحقيق ويحاول أن يعرف كيف جاءت إلى الوجود هذه الأشياء المتنوعة المتفاضلة، وما الأسباب والقوانين التي لها ضلع في جعل هذه الأشياء متنوعة متفاضلة وفي إبقاء بعضها وإفناء بعضها الآخر.

لقد كان من الممكن أن يجيب هذا المحقق على هذه الأسئلة والخواطر بأن الأغلب أن هناك ذات تصنع هذه الأشياء حسب مختلف مصالحها، فالأشياء التي لا تزال هناك حاجة إليها، لا تزال تصنعها، وأما الأشياء التي ما بقيت حاجة إليها اليوم، فقد أمسكت عن صنعها -لقد كان من الممكن أن يجيب المحقق المريخي بهذا الوجه على الأسئلة، إلا أنه يريد -لسبب من الأسباب- أن يجانب افتراض وجود ذات كهذه، ويدير وجهة قياسه إلى جانب آخر، ثم يفسر المنظر الذي وجده على وجه الأرض على الوجه الآتي: إن الأشياء الموجودة ههنا لعلها كلها ابتدأت من بذرة بدائية واحدة ثم أخذت هذه البذرة تتطور إلى أن أخرجت إلى حيز الوجود مختلف أنواع الأشياء لسبب كذا وكذا من أسباب البيئة، ثم بدأت هذه الأنواع تتصارع بينها، حيث حاول كل واحد منها أن يسابق غيره لجعل نفسه ملائمًا لبيئته وللاستفادة من القوى المنتشرة حوله، فكل نوع لاقى الفشل في حلبة هذا الصراع هو الذي تمخض عن الارتقاء والتطور في أشكال هذه المصنوعات وخصائصها، وفي غضون هذا التنازع للبقاء أصبحت الأشياء من نوع خاص تترقى إلى أن تحولت رويدًا رويدًا إلى نوع آخر.

وعلى سبيل المثال يقول هذا المحقق معتمدًا على قياسه: إن نوع العجلة التي كانت يجرّها الثور، استنفد جهده خلال مدة من الزمان، ثم بدأت تظهر تغييرات في هيئة بعض عناصره الصالحة القوية إلى أن تحولت هذه العناصر إلى العربات التي يجرها الحصان، ثم بدأ نوع العربة -كذلك- يستنزف قواه حتى بدأ يحدث التغير في نظام بعض عناصره النشيطة إلى أن تطورت أخيرًا إلى السيارات. ثم إن السيارات لما رأت أشجارًا عالية وبيوتًا شاهقة وجبالًا تناطح السماء، رغبت في التحليق فوقها فبدأت تتوثب في سبيل هذه المحاولة وانتهى بها المطاف إلى بروز الأجنحة فيها فإذا بها تحولت إلى الطائرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت