ويقول من يرافق هذا المحقق الجليل من طلبة كلية العلوم في المريخ: يا فضيلة الأستاذ، إن التطور والارتقاء إن كان قد حدث هكذا بالتدريج من العجلة إلى العربة، ومن العربة إلى السيارة، ومن السيارة إلى الطائرة، فلا بد أن يوجد هناك بين العجلة والعربة وبين العربة والسيارة وبين السيارة والطيارة مراكب عديدة تملأ المسافة الواقعة بين كل نوعين من هذه الأنواع، فمثلًا يجب أن توجد في المسافة الواقعة بين العربة والسيارة أنواع من المراكب لا تكون عربات كاملة ولا سيارات كاملة فيكون بعضها لم يدخل بعد مرحلة السيارة، بينما يكون بعضها الآخر قد خرج من مرحلة العربة، وهكذا يجب أن توجد هناك مراكب عديدة بين مرحلتي السيارة والطيارة لم يتم بروز أجنحتها كاملة.
والأستاذ المحقق عندما يسمع من تلاميذه هذا السؤال يتفكر مليًا ثم يقول:"نعم يا أبنائي، إن هذه المراكب الوسيطة أو الحلقات المفقودة التي تسألون عنها بين كل نوعين من هذه الأنواع، لعلها تكون قد وجدت، أنظروا إلى هذه العربة التي أمامكم، أظن أنها تحولت أولًا إلى"العربة السيارة"ثم إلى"السيارة العربية"حتى اكتملت سيارة آخر الأمر. ثم تكون السيارة -كما أظن- بذلت جهدها فتحولت إلى"السيارة الطيارة"أولًا ثم إلى"الطيارة السيارة"بعده، إلى أن أصبحت طيارة آخر الأمر كما تشاهدونها الآن. فهذه الحلقات المتخللة التي قد سميتها لكم لعلها توجد في بقعة من بقاع الأرض حتى اليوم، فاذهبوا باحثين عنها تحت أكوام التراب".
يقول الأستاذ هذا ويسكت. أما التلاميذ الذين جاءوا معه إلى الأرض ونفوسهم تضمر نوعًا من العصبية على الإنسان من قبل، آمنوا باكتشاف أستاذهم الفذّ إيمانًا راسخًا جعلهم (يشطبون) من كلامه كلمات:"لعل"و"أظن"وبدءوا يشرحونه للناس في خطبهم وكتاباتهم بكلمات اليقين والجزم بدل كلمات"لعل"و"أظن". وها نحن أولًا نرى دروسهم العلمية تتخللها كلمات"السيارة الطيارة"و"الطيارة السيارة"الوهمية بكثرة كاثرة كأن هذه أشياء موجودة محفوظة في متحفهم بدون ما ريب، مع أنه إن كان هناك شيء له وجود في حقيقة الأمر فإنما هو العجلة والعربة والسيارة والطيارة.