الصفحة 12 من 155

إن هذا المثل لينطبق تمامًا على نظرية دروين والقائلين بها. إنك إذا درست ما دوّن في هذه النظرية من الكتب الأساسية، علمت أن هذه النظرية لا يقوم كل بنائها إلا على أساس"لعل"و"أظن"مع أن الأمر الجدير بالاعتبار في العلوم هو اليقين والواقع لا القياس والتخمين والرجم بالغيب. وأقول: إنه إذا كان هناك نوع من الاعتبار للقياس والتخمين في العلوم، فكيف ولماذا يمكن التفريق بين قياس وقياس ولا سيما إذا كان أحد القياسين أقوى وأقرب إلى التعقل من الآخر. إنكم إذا كنتم مستعدين لأن تقبلوا حتى القياس والتخمين في تفسير المشهودات، فكيف لكم أن تردوا قياسي إذا قلت لكم على أساسه بأن بدء الحياة والتنوع والتفاضل بين الموجودات إنما يكون قد حصل بأمر حكيم عليم وتخطيطه، وهو أقرب إلى التعقل وأسهل على الفهم وأحظى للقبول من قياس دروين، لأن قياسي هذا يفسر المشهودات كلها على طريق هو أحسن من طريق دروين، ولا يترك سؤالًا دون أن يرد عليه بجواب مقنع، وأن ما يقويه ويزيده وزنًا أيضًا، أنه ليس هناك في جانب دروين من أحد يستطيع الجزم بشيء في صدق وأمانة، وكل ما يستطيعه هو أن يقول: عسى أن يكون كذلك أو"لعل أن يكون كذلك"وأما في جانبي أنا، فهناك عدد لا يحصى من أصلح الناس خلقًا وأطهرهم سيرة وأصدقهم قولًا يقولون بكل جزم وتأكيد: إن الأمر الفلاني حقيقته كذا وكذا، وإننا لا نقول بشيء إلا بعد أن رأيناه بأعيننا، فما لطلاب العلوم التجريبية ينحازون اليوم إلى جانب دروين دون جانب هؤلاء؟ وهل لذلك سبب غير ذلك المقت للدين والتدين ( Theophobia) الذي قد ورثه طلاب العلوم التجريبية من القرون الوسطى؟ وإن الأمر إذا كان كذلك فما لهم يسمون النزوات والعواطف علمًا ومعرفة؟

وإننا حتى إذا أغمضنا النظر عما في هذه النظرية من مكامن الضعف ومواطن النقص من الوجهة العلمية والعقلية، ونظرنا إلى الفتن التي قد أثارها هذا التخيل الباطل لإهلاك الإنسان والفتك به بعد أن دخلت في الفلسفة والأخلاق والعلوم العمرانية والاجتماعية، فلعل أحدًا إذا كان عنده بقية من الفهم الصحيح والعقل السديد لا يتلكأ في القول معنا بأن نظرية دروين هذه في قمة رأس النظريات الباطلة التي ناصبت الإنسان العداء في هذا الزمان، وعملت للقضاء على إنسانيته، فقد حاولت أن تجعل الإنسان يعتقد بأنه ليس إلا حيوانًا كسائر الحيوانات، ومن نتائجها أن بني آدم لا يتعاملون فيما بينهم في أي شعبة من شعب الحياة إلا كما تتعامل الوحوش في الغابة، ومن تأثيرها أن الإنسان بدل أن يستمد القوانين والمبادئ والمناهج لحياته من مصدر من المصادر السامية، إنما يبحث عنها في حياة البهائم والوحوش، وهي التي قد عرضت على الإنسان نظام الحياة كميدان للصراع والقتال، وألقت في روعه أن الصراع والقتال هو من مقتضيات الطبيعة الحقيقية بحيث إن كل من يبدي قوته وجدارته في هذا الصراع والقتال هو الذي يستحق الحياة ويحرز النجاح، وهو الصالح الباقي، وهو على الحق، وإن كل من هو ضعيف، هو غير الصالح، ويكون فناؤه وانقراضه من نتائج قوانين الفطرة الصحيحة. ومن بركات هذه النظرية الغاشمة أن جميع الناس أفرادًا وطوائف وأممًا وشعوبًا ودولًا جعلوا الدنيا ميدانًا للتنازع والصراع والقتال. وليس مقتضى الفطرة -حسب زعمهم- إلا أن القويّ من حقه أن يبيد الضعيف ولا يرى له على نفسه إلّا ولا ذمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت