الصفحة 8 من 155

كتب إلى أحد قراء"ترجمان القرآن"بما يلي:

"إن نظرية دروين للنشوء والارتقاء من الأمور المسلم بها اليوم في الأوساط العلمية، ولكننا إذا قرأنا القرآن، وجدنا في غير موضع واحد منه، تصادمًا وتناقضًا بين تعاليمه وبين تلك النظرية. فالإنسان -على حسب بيان القرآن- كان إنسانًا منذ أول يومه، خلق بعملية الخلق في يوم معلوم. ثم انتشرت منه السلالة البشرية على وجه الأرض، ولكن الذي تشهد به العلوم الطبيعية التي ندرسها في كلياتنا، أن الإنسان إنما جاء متطورًا من مرحلة الحيوانية شيئًا فشيئًا، ومن المحال أن يحدد في هذا التسلسل الارتقائي نقطة انتهت عليها مرحلة الحيوانية وابتدأت مرحلة الإنسانية .. نقطة أشار إليها القرآن الحكيم فقال:"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". وهذا إنما هو مثال واحد على ما يوجد من التناقض بين بيان القرآن ونظرية دروين للارتقاء، وإلا فهناك في مسألة خلق الإنسان تفاصيل كثيرة يتصادم فيها بيان القرآن مع نظرية دروين. ونظرًا لهذه الأمور، فإن طالبًا من طلبة العلوم الطبيعية لا يستطيع أن يحتفظ بإيمانه. فهل لكم أن تحلوا لنا هذه المشكلة الشائكة؟"

إن هذا السؤال الذي تقدم به القارئ الكريم وأجاد في وضعه وعرضه، لا نحتاج للجواب عليه إلى استعراض دلائل نظرية دروين وشواهدها، وإنما الذي يجب التحقيق فيه، هو: هل تصور النشوء والارتقاء الذي تقدم به دروين حقيقة ثابتة أو هو مجرد نظرية من النظريات؟ وأنه إن كان نظرية لا غير، فهل هي من الأهمية بمكان حتى إذا واجهها المسلم يندفع إلى التفكير: أيؤمن بها أم يبقى مؤمنًا بالقرآن الحكيم؟

وليكن الدارس على علم في مستهلّ ردنا على هذا السؤال بأن نظرية دروين لا تزال في الستينيات من القرن العشرين نظرية بحتة كما كانت نظرية صرفة في أواسط القرن التاسع عشر، ولم تتحقق بعد كحقيقة واقعة ( Fact) ولا يخفى على أحد الفرق بين النظرية والواقع، وأن الإنسان لا يحتاج إلى إعادة النظر في إيمانه إلا حينما يتصادم إيمانه مع شيء هو حقيقة وأمر واقع لا مجال للريب فيه. وإلا فإن الإيمان الذي لا يصمد أمام الأمور القياسية والنظريات المجردة، فما هو بإيمان وإنما هو (حسن الظن) يمكن أن يتبدل (بسوء الظن) على أساس مجرد الأوهام والخرافات والإشاعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت