والذي يبكي العين ويدمي القلب أكثر من ذلك، هو ما عليه حالتهم الخلقية والعملية، فقد تدهورت أخلاقهم، وراج فيهم أبشع ما يكون من العادات والتقاليد من أعمال الوثنية إلى أقذر مظاهر الحضارة الغربية. ولا تكاد تشعر طائفة منهم -إلا من رحمهم الله- بمدى انحرافها عن مبادئ ذلك القانون الذي تدعي الإيمان به. فتزدهر فيهم كل فترة خاطئة وكل طريقة زائفة من أين كان مأتاها، ويظنون أن الإسلام يتسعها ويتزعمهم بكل سهولة كل منحرف مضلل يسلك مسلكًا يبهر الأنظار. وهم يظنون أن اتباعهم له لا يخالف اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم. وهم يجمعون بين الإسلام وبين ما هو معارض له بدون ما تردد في ذهن واحد وحياة واحدة، لأن تمييز الإسلام عن غير الإسلام مداره العلم والفهم وهما اللذان يفقدونهما. ولعمر الحق إن كل من يعرف الفرق بين المشرق والمغرب لا يكون من الحمق والبلاهة حيث يتوجه إلى المشرق ثم يقول أنه متوجه إلى المغرب. لا يمكن أن يصدر مثل هذا الخطأ إلا عن جاهل، والجهالة هي التي نراها تعمّ المسلمين -إلا جماعة قليلة منهم- في مشارق الأرض ومغاربها، سواء أكانوا من العامة البسطاء أو العلماء المعممين أو المتصوفين ذوي السبحات أو المثقفين في الكليات والجامعات العصرية. تتضارب أفكارهم وتختلف مسالكهم ولكنهم جميعًا يلتقون على الجهل بحقيقة الإسلام وروحه. فقد صدق الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم حين قال:"صنفان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة: السلطان والعلماء". ويشهد كل باب من أبواب تاريخ المسلمين صدق قوله صلى الله عليه وسلم. ونحن الذين نرى اليوم صدقه أكثر من غيرها -ولو كان حكامنا وعلماؤنا على التقوى والعلم الصحيح بالدين لما أفضى الأمر بالمسلمين إلى ما هم عليه الآن، على أن الأمة الإسلامية إذا واكبها الحظ وتيسر لها أمثال هؤلاء القادة الزعماء، فلا داعي إلى اليأس على تدهور الأوضاع وترديها إلى هذا الحد.
(نقلًا عن مجلة"ترجمان القرآن"في شوال 1354هـ يناير 1936م)