الصفحة 6 من 155

هذه هي عواقب الغفلة عن الآيات الإلهية والإعراض عن التدبر والتفقه فيها. فالذين يتلون الكتاب ولكن لا يفهمون آياته ولا تحفزهم نفوسهم على أن يجيلوا النظر في تعاليمه، ولا يبذلون جهدًا في معرفة أحكامه، كما يؤمنون بالرسول ولكن لا بصر لهم في هدايته وسنّته، ويعتقدون حقّانية الإسلام ولكن يجهلون مبادئه وروحه، فهؤلاء جميعًا لا يأمنون عند أي خطوة من خطواتهم أن يبتلوا بإحدى هاتين الصورتين من الضلال. ولأجل ذلك أمر الله ورسوله المسلمين التفقه في الدين وفهم هدايته وأحكامه بتأكيد بالغ فقال تعالى:"فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ"وقال:"كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ"وقال:"قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ"وقال:"لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"وقال:"وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا". وقد وردت في هذا الباب أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا علم ليس فيه تفهم ولا قراءة ليس فيها تدبر"وفي حديث ثان أنه صلى الله عليه وسلم قال:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"وفي حديث ثالث قال صلى الله عليه وسلم:"أفضل الناس أفضلهم عملًا إذا فقهوا دينهم"."

إن أكبر نكبة أصيب بها المسلمون اليوم هي أن ليس فيهم التفقه في الدين والتدبر في الكتاب والسنة، وهذا هو الذي قد زعزع أركان عقائدهم وجرّد أعمالهم عن الروح وشتت شملهم وخيب مساعيهم ودفع حياتهم في الفوضى. لا ريب أن فيهم عددًا كبيرًا يعشقون الإسلام، ولكن الذين يستطيعون فهمه منهم هم نزر يسير، ولا قلة فيهم لمن يفتدون القرآن ومحمدًا صلى الله عليه وسلم بمهجهم وأرواحهم، ولكن الذين يعرفون ما جاء به القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم من الشريعة لا يتجاوزون عدد الأنامل. ومن نتائج هذا الجهل والفوضى أن الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنفسهم مسلمين، يوجد فيهم أشنع ما يكون من أنواع الأوهام وعقائد الشرك، بل هم يعتنقون مبادئ ونظمًا تدعو صراحة إلى الإلحاد والدهرية والكفر بالله ولا يشعرون بأن الإسلام الذي يدّعون اتباعه لا يتلاءم أبدًا مع هذه الأفكار، وأن بينه وبينها ما بين السماء والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت