أما نتائج هذه الغفلة وعدم التدبر لآيات الله تبارك وتعالى، فتظهر على صورتين مختلفتين كل واحدة منهما من أشنع صور الضلالة وأقذرها: أولاهما: أن يعتمد الإنسان في دينه وإيمانه على غيره بدون فهم ولا بصيرة ويسلس له قياده، سواء أساقه إلى طريق النجاة أم إلى طريق الهلاك. وفي ذلك يقول جلت حكمته:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ" [1] ويقول:"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ" [2] فحرموا عليهم الحلال وأحلوا الحرام فاتبعوهم. وقال:"يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا" [3] .
والصورة الأخرى لضلالة الإنسان أن يعرض عما أنزل الله من الهداية ويعتمد على رأيه ويتبع هواه. ففي هذه الصورة لا يحصل للإنسان علم اليقين -الذي هو وسيلة ضرورية لسلوك الطريق المستقيم- بل يحصل له الظن والتخمين، ثم إن أكبر خطر له فيها أن شهوات الإنسان النفسية تتغلب على عقله فتعدل به عن الخط المستقيم إلى خطوط الإفراط والتفريط. وما مثل الإنسان عندما يسلك هذه السبيل إلا كمثل من يمشي في الظلام الحالك يتقدم خطوة أو خطوتين عندما يضاء له برق العلم الصحيح والعقل السليم صدفة (كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ) وإلا فيقوم حائرًا (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) أو يتقدم فيتردى في هوة سحيقة أو في شبكة ذات شوك. وفي ذلك يقول عز من قائل:"وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" [4] . ويقول:"أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" [5] . ويقول:"وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ" [6] . ويقول:"وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" [7] . ويقول:"وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" [8] .
(1) المائدة: 104.
(2) التوبة: 31.
(3) الأحزاب: 66 - 67.
(4) يونس: 36.
(5) الفرقان: 43 - 44.
(6) القصص: 50.
(7) الكهف: 28.
(8) الجاثية: 18.