الصفحة 74 من 155

هذا من جانب، ومن جانب آخر كان مما تقتضيه مصالح شخصية ألا يغلق باب التزوج في الأمم غير الإسلامية إغلاقًا كليًا، إذ من الممكن أن يقع شخص من المسلمين في حب امرأة من غير المسلمين ويشغف بها لحد الهيام، ثم يميل إلى الحرام عندما يجد باب الظفر بالمقصود مغلقًا إغلاقًا كليًا، ومن الممكن كذلك أن يكون شخص من المسلمين يسكن في أرض لا يجد فيها امرأة مسلمة، ويخاف الفساد على أخلاقه وعلى حياته العائلية إذا بقي على العزوبة. فقد كان من اللازم فتح باب الرخصة إلى حد ما في مثل هذه الظروف غير العادية، ففتح الشارع هذا الباب؛ مع مراعاة ألا تصاب المصالح الاجتماعية إلا بأقل ضرر ممكن.

حرمة زواج المسلمة برجل من غير المسلمين:

إن أول شيء قرر في هذا الشأن، أن الزواج في غير المسلمين إنما يجوز للرجال ولا يجوز للنساء أبدًا"لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" (الممتحنة: 10) ، وذلك أن فطرة المرأة اندفاعية وفيها القابلية للانصياغ أكثر من الصوغ، وهي أسرع ما تكون إلى قبول تأثير الرجل وتأثير بيئته، ولا تكون في الحياة العائلية عمومًا إلا منقادة للرجل، فهي إذا تزوجت رجلًا من غير المسلمين، خيف عليها بنسبة تسعين في المائة في أقل الاحتمالات، أن تنقطع عن الإسلام وحضارته إلى الأبد وخيف عليها بنسبة مائة في المائة أن تكون ذريتهاالتي تنجبها على ملة الكفر. فكان من مقتضى المصالح والحكم كلها أن يحرم على المرأة المسلمة الزواج برجل من غير المسلمين تحريمًا قاطعًا، ولا يفتح باب الرخصة إلا على وجه الرجل عند اشتداد الحاجة الحقيقية.

القيود على زواج المسلم بامرأة غير مسلمة:

غير أن هذه الرخصة العامة ليست خالية من القيود حتى للرجل أيضًا، فقد قسم غير المسلمين من وجهة الزواج إلى قسمين:

قسم هو أبعد ما يكون عن الإسلام وحضارته، ولا تلتقي عقائده ومبادئه في الحياة، وقوانينه للأخلاق والاجتماع مع عقائد المسلمين ومبادئهم للحياة، وقوانينهم للأخلاق والاجتماع من أي وجه من الوجوه. وقسم هو أقرب طبقات غير المسلمين إلى الإسلام، وهو مؤمن بالرسالة والنبوة والوحي إلى حد ما، كما أنه قريب من الإسلام في اعتقاده بالله واليوم الآخر، ولا يزال محتفظًا بكثير من مبادئ الأخلاق وقوانين الاجتماع النابعة من ينابيع النبوة. فقد حرم على المسلمين تحريمًا باتًا أن يتزوجوا في الأول من هذين القسمين"وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ" (البقرة: 221) .

السماح بزواج الكتابية:

وأما القسم الثاني، فقد أبيح للمسلمين أن يتزوجوا نساءه ولكن مع الإشارة إلى أن ليس زواجهم بهن خاليًا من الخطر، وقد أبيح لهم حتى لا يقعوا في الحرام"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (المائدة: 5) .

والجملة الأخيرة من هذه الآية جديرة بالملاحظة، إذ فيها التنبيه على أن الزواج بامرأة غير مسلمة فيه خطر على الإيمان، فالظاهر أن الشريعة إذا كانت قد أباحت للمسلمين مثل هذا العمل الخطير، فإنما قد أباحته لهم في ظروف غير عادية ولحاجات غير عادية.

كراهية زواج الكتابية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت