إن الذين يعرفون روح شريعة الإسلام معرفة جيدة، إنما اعتقدوا هذه الإباحة بمنزلة الرخصة بناء على ما قلنا، وما أحبوا قط أن يلاقي زواج الكتابيات رواجًا عامًا بين المسلمين. لقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه أعلم أهل زمانه بأسرار الشريعة، فالذي كتب به إلى حذيفة بن اليمان يلقي ضوءًا -أيما ضوء- على مقصود الشريعة. لقد كان الزمان زمان غلبة الإسلام وكان المسلمون في بلاد الشام بمنزلة الفاتحين والحكام وكان الأمر يتعلق برجل من أعاظم المسلمين كان قد اكتسب نور الإيمان من مشكاة النبوة مباشرة، فمن عسى أن يكون أكثر منه رسوخًا في أخلاق الإسلام وتشبعًا بمدنيته وحضارته، ولكن على كل هذا نهاه سيدنا عمر رضي الله عنه عن الاتصال بصلة الزوجية بامرأة من أهل الكتاب، ولم يقل أن زواجه بها حرام وإنما قال إنه يخشى أن تتسرب بذلك نساء مومسات من أهل الكتاب إلى بيوت المسلمين فخير للمسلمين ألا ينتفعوا بهذه الرخصة.
تفكروا! .. إذا كان هذا هو هدى الإسلام وموقفه من زواج نساء أهل الكتاب في زمن الغلبة والعلو، فماذا يجب أن يكون من هديه وسلوكه فيما إذا كان رجل من المسلمين مغلوبًا على أمره من الكفار، مفتونًا بحضارتهم محبوسًا في مجتمعهم؟ لا بد أن يكون زواج الكتابية إذن فوق الكراهية العادية، لأن مضاره في دار الكفر لا بد أن تتضاعف عدة مرات، لأجل هذا فإن أئمة الإسلام قد كرهوا زواج الكتابية عامة وفي دار الكفر خاصة. يقول شمس الأئمة العلامة السرخسي في كتابه المبسوط:"يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب ولكنه يكره لأنه إذا تزوجها هناك ربما يختار المقام فيهم ... وإذا ولدت تخلّق الولد بأخلاق الكفار، وفيه بعض الفتنة فيكره لهذا ... سئل علي رضي الله عنه عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب فكره ذلك [1] ."
ويقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره:
وفي الهداية:"ويجوز تزوّج الكتابيات والأولى أن لا يفعل ولا يأكل ذبيحتهم إلا لضرورة، وتكره الكتابية الحربية إجماعًا لانفتاح باب الفتنة من إمكان التعلق المستدعى للمقام معها في دار الحرب وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر [2] ."
فالذي قد اتضح من هذا البحث أنه لا يصح القول بحرمة زواج نساء أهل الكتاب وبطلانه، ولكن مما تدل عليه روح قانون الإسلام وإجماع أئمة الإسلام في الوقت نفسه أنه مكروه ولا سيما في دار الكفر ويزيده كراهة وبغضًا في حالة غلبة الكفار. ومما يدل عليه فعل سيدنا عمر رضي الله عنه -إلى هذا- أنه من حق أولي الأمر من المسلمين أن يصدروا أحكامًا تحظر على رخص الشريعة كلها إذا خيف أن يستغلها المسلمون استغلالًا غير مشروع وأنه يجوز تنفيذ مثل هذه الأحكام بدون استباحة الحرام أو تحريم المباح، ولكن بشرط أن يكون القائمون بتنفيذها على تفقه في الدين ليتورعوا عن مسخ روعة الاعتدال والتوازن في شريعة الإسلام.
(1) المبسوط ج5، ص50.
(2) كتاب النكاح.