وفضلًا عن هذا، فإن مثل هذه الزيجات لا تخلو من أضرار سياسية، لأنه من السهل جدًا استغلال الزوجة الكافرة في بيت مسلم في مهمة التجسس وتنفيذ الدسائل والمؤامرات على الدولة الإسلامية واستئصال شأفتها. وبإمكانها إذا كانت تبلغ من المكر والدهاء مبلغه، أن تجعل من زوجها أداة طيعة لتحقيق هذه الأغراض. وما كل ذلك إلا أخطار ومضار قد ظهرت سابقًا، كما لا تزال تظهر حتى اليوم. فمن ذا ترونه قد دنس نظامنا للحياة الاجتماعية بالعديد من تقاليد الشرك وعادات الجهل في الهند إلا أولئك النسوة اللاتي تسرّبن إلى بيوت المسلمين، مع بقائهن على الشرك أو مع دخولهن في الإسلام اسمًا؟ ومن ذا ترونه قد أفسد الأجيال المسلمة في دينها وأخلاقها إلا أولئك الأمهات اللاتي أرضعن أولاد المسلمين بلبان الشرك والجاهلية من صدورهن؟ ومن ذا ترونه قد دفعالحكومات الإسلامية إلى الدمار في معظم الأحيان إلا محبة أولئك الكافرات اللاتي كن قد أصبحن متحكمات في قلوب الأمراء المسلمين؟ وماذا تعتقدونه يهدم اليوم دعائم الحياة الاجتماعية في البلاد الإسلامية إلى حد كبير إلا سيطرة أولئك الغربيات اللاتي فرضن أنفسهن على أرباب الترف وأصحاب النفوذ في مجتمعنا؟
الاعتدال والتوازن كميزة لقانون الإسلام للزواج:
والأمر إذا كان كذلك، فلشخص أن يقول: كان من الواجب أن يكون الزواج بنساء غير المسلمين محرمًا على المسلمين، فلأي سبب قد أباحه الشارع إذن؟ ولإدراك الجواب الصحيح على ذلك، يجب أن نلقي نظرة على جانب آخر من هذه القضية، إذ هو الجانب الذي ننظر منه إلى كمال حكمة الشارع وغاية الاعتدال والتوازن في طريقهللتشريع.
إن الإنسان إذا تولى وضع قانون له، فإنه كثيرًا ما يميل إلى ناحية واحدة حيث لا تنال النواحي الأخرى أي نصيب من رعايته. فهو حين يؤكد المصالح الاجتماعية يصرف النظر عن المصالح الشخصية، وبينما يرعى المصالح الشخصية يبطل المصالح الاجتماعية، إلا أن شارع الإسلام بحكمته البالغة ينظر إلى كل جانب من جوانب مصالح الإنسان، ويرعى كل واحد منها على قدر ما يستحقه من الرعاية. لقد كان من مقتضى المصالح الاجتماعية، ومن مقتضى المصالح الشخصية كذلك إلى حد كبير -كما قلنا- ألا يتزوج المسلمون إلا من نسائهم، وأن يراعوا في شأنهن تلاقي الرغبات وتشابه الأخلاق والعادات وتوحد الأفكار والاتجاهات، وذلك ما قررته قاعدة الكفاءة:"تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء" [1] . وورد بكل صراحة أن الدين هو أول شيء وأهمه في الكفاءة، قال الله تعالى:"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ" (التوبة: 71) . وقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا" (التحريم: 6) . وقال:"وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ" (النساء: 25) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"تزوجوهن على الدين فلأمة خرقاء سوداء ذات دين أفضل" [2] .
(1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وأنس وعمر من عدة طرق.
(2) ابن ماجه.