ونحن لو صرفنا النظر عن الوجهة الدينية، نظرنا من الوجهة الاجتماعية البحتة، فإنه لا بد لنا من الاعتراف بأن لا شيء أضر للنظام الاجتماعي وأفسد للحياة العائلية من الزواج المختلط ( Mixed marriages) ، فالزوجان إذا كانا مختلفين في أفكارهما، وكانت قد تمت تربيتهما تحت تأثير تقاليد مختلفة وأساليب متضاربة، فإنه من المحال قطعًا أن ينالا الهدوء والطمأنينة في حياتهما الزوجية، أو يجعلا أسرتهما عضوًا صالحًا في نظام للمجتمع، أو ينجبا سلالة متلائمة مع نظام للمدنية. من الممكن أن تكون بينهما المحبة والرأفة وتدوم إلى آخر أيام حياتهما، إلا أن محبتهما ورأفتهما لا تورث اللذة والمتعة إلا لهما، ولا ترجع على الحياة الدينية والاجتماعية بنوع من الفائدة أبدًا. ودع عنك ذكر اختلاف الزوجين في دينهما وقوميتهما، تجد أنه يستحيل أن تنجح الحياة العائلية ويتحسن النظام الاجتماعي بزيجات كانالطرفان فيهما ينتميان إلى طبقتين مختلفتين من مجتمع موحّد، حتى إنه ليحدث بينهما الشقاق والنزاع بمجرد أن يكون أحدهما حضريًا وثانيهما ريفيًا. إذن لا بد لاستمرار حياتهما الزوجية بهدوء وطمأنينة من اتحادهما واتحاد الأسرتين اللتين ينتميان إليهما في أكثر ما يمكن من الأمور، كأن يتوفر التوافق والتجانس في أفكارهما ومبادئهما للحياة وفي درجتهما الاقتصادية ومكانتهما الاجتماعية، ولا تكون تقاليد أسرة أحدهما مختلفة عن تقاليد أسرة الآخر اختلافًا كبيرًا. وهذا ما يعرف"بالكفاءة"في اصطلاح الشريعة الإسلامية. وإن الأهمية التي قد أعطاها الشارع للكفاءة في التزاوج، ما هي إلا ليكون الزوجان على أكبر قسط ممكن من التوافق والتلاؤم في ما بينهما، لأن التوافق والتلاؤم لا يولد المودة والرحمة بينهما فحسب، بل هو أنفع ما يكون للمجتمع كله، وعليه تتوقف مصلحة الأجيال القادمة وسعادتها. ولذا فإن الزوجين إذا لم يكن بينهما التوافق والتلاؤم، لا تعدو العلاقة بينهما الاتصال الجسدي، الأمر الذي يعتبر من وجهة نظر الاجتماع عقمًا خالصًا أو في حكم العقم.
مضار اختلاف الزوجين في دينهما:
إن مضار عدم الكفاءة بين الزوجين إذا كانت تقف عند حد تقلّل المودة والرحمة بينهما، وقلة اشتراكهما في العمل المثمر النافع، فإن مضار اختلافهما في الدين والقومية تتعدى ذلك وتبلغ حدًا لا نهاية له. وأكبر خطر يكمن في هذا الاختلاف، أن الذرية التي تتلقى التربية والرعاية في حضن أم غير مسلمة، لن تكون صالحة للمجتمع الإسلامي من الوجهة الدينية والخلقية. بالإضافة إلى خطر آخر، هو أن الزوجة غير المسلمة لا بد أن تروّج في أسرة مسلمة عادات غير إسلامية، ولا بد أن يتناثر شرر هذا العضو الفاسد (المرأة غير المسلمة) إلى الأسر القريبة منها في المجتمع، بل لا بد لزوجها بالذات أن يتأثر بها ولا يسلم من تأثيراتها، فهو إذا هام بها وولع بها فوق العادة، فلا عجب أن يخلع عن عنقه ربقة الدين والإيمان، وإذا لم يستشر فيه هذا الفساد إلى هذا الحد، فلا بد أن يكون من تأثيره فيه على الأقل أن يشاهد بأم عينه كثيرًا من أخلاق الإسلام ومقوّمات حضارته تداس في بيته علنًا، ثم يصبر عليهما صبر الكرام المتسامحين.