أما الذين فسروا المحصنه بالعفيفة أو الحرة وجعلوا العفة أو الحرية شرطًا لتزوج الكتابية، فلا يصح رأيهم أيضًا عندنا. لا شك أن الإحصان يشمل مفهومه كلًا من العفة والشرف، وما المحصنة إلا عفيفة وشريفة معًا، ولكن ليس من مقصود الشارع بقوله"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"أن يجعل العفة أو الشرف شرطًا لجواز الزواج بنساء أهل الكتاب، وإنما مقصوده بذلك إظهار الأفضلية الأولوية. يقصد الشارع في حقيقة الأمر أن يبين: إنه وإن كان لكم، أيها المسلمون، أن تتزوجوا أية امرأة من المؤمنات أو من أهل الكتاب، ولكن الأولى والأفضل أن تكون تلك المرأة محصنة أي عفيفة شريفة. وقد قيدت كثير من أحكام القرآن بأمور ليست بشروط لثبوت الحكم، وإنما هي كقيود إضافية لإظهار أفضل ناحية في فعل من الأفعال المباحة، أو لإظهار أرذل ناحية في فعل من الأفعال المحرمة، حتى يبذل أهل الإيمان اهتمامهم لاختيار الأفضل واجتناب الأرذل، وهذا عين ما قد رآه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا الباب حينما تزوج حذيفة بن اليمان بيهودية فكتب إليه عمر أن خلّ سبيلها"، فكتب إليه حذيفة:"أحرام هي"؟ فكتب إليه:"لا، ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن"."
فأصح رأي عندنا أن نجعل السماح الشرعي بتزوج نساء أهل الكتاب عامًا من الحربيات كن أو من الذميات، ومن العفائف كن أو من غير العفائف، ومن الإماء كن أو من الحرائر.
المصالح والحكم:
ونحن حتى الآن ما بحثنا هذه القضية إلا من الناحية القانونية، وها نحن أولاء نحب الآن أن نبحثها من ناحية: أي منهاج للعمل أصح وأوفق على اعتبار مصالح الدين والأمة في هذا الباب، وما هي مقتضيات روح الدين؟
وجهة نظر الإسلام في باب الزواج:
ليس الزواج في الشريعة الإسلامية بمثابة عقد اجتماعي ( Social contract) كما يعبر عنه أناس في هذا الزمان، وإنما هو -مع ذلك- عقد له قدسية دينية، وقدسيته هذه وإن كانت لا تبلغ مبلغ السر المقدس ( Cacrament) في الزواج كما عند الهنادك والمسيحيين، لكنها تبلغ مبلغ العبادة ولا شك. ولا يريد الشارع أن يحقق بالزواج المصالح المدنية والعمرانية فحسب، بل يريد أن يحقق به المصالح الدينية والروحية أيضًا: يريد أن يستعين به في إصلاح الأخلاق، وفي تطهير المجتمع من الرذائل، وفي إقامة نظام إسلامي خالص للمجتمع والمحافظة عليه وترقيته وتنميته، وفي إخراج أمة مؤمنة بالله عاملة على إعلاء كلمته في الأرض. ولكون الزواج عونًا على تحقيق كل هذه المصالح والمقاصد، فقد جُعلت مكانته في الشريعة الإسلامية قريبة من العبادة حتى لقد قال فريق من الفقهاء:"إن الاشتغال به أفضل من التخلي عنه لمحض العبادة. فالجهاد وإن كان عبادة، إلا أن النكاح سبب لما هو المقصود منه وزيادة، فإنه سبب لوجود المسلم والإسلام. والجهاد سبب لوجود الإسلام فقط. فإن ما يحصل بنكاح أفراد المسلمين أضعاف ما يحصل بالقتال، إذ الغالب حصول القتل به أو الذمة دون إسلام أهل الدار فقدم للأكثرية في ذلك. (ملخصًا من فتح القدير لابن الهمام كتاب النكاح ج2 ص340) ."
ولكي ندرك وجهة نظر الإسلام في هذا الباب، يحسن بنا أن نلقي نظرة على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث في الحث على الزواج وكراهية تركه للقادر.