الصفحة 69 من 155

أما"أهل الكتاب"فيقول الإمام الشافعي رحمه الله إنهم اليهود والنصارى من بني إسرائيل. وأما الأمم الأخرى التي قد انتحلت اليهودية أوالنصرانية. فلا تطلق عليها كلمة"أهل الكتاب"لأنه ما أرسل موسى ولا عيسى عليهما السلام إلا إلى بني إسرائيل، وما كانت دعوتهما لغيرهم من أمم الأرض. ويقول الأحناف وجمهور الفقهاء: إن كل أمة إذا كانت مؤمنة بنبي من الأنبياء وبكتاب من الكتب الإلهية، تعد من أهل الكتاب، وليس كونها من اليهود أو النصارى شرطًا في ذلك، فلو كانت في الدنيا طائفة مؤمنة بصحف إبراهيم وحدها، أو الزبور وحده لكانت طائفة كتابية. وقد ذهبت جماعة قليلة من السلف إلى أن كل أمة عندها كتاب يجوز الظن بأنه سماوي، هي من أهل الكتاب كالمجوس مثلًا. وهذه الفكرة قد وسعها في هذا الزمان جماعة من"المجتهدين"الجدد حتى قالوا إن الهنادك والبوذيين أيضًا من أهل الكتاب فيجوز الزواج بنسائهم لأنه لا بد أن يكون قد جاءهم نبي من الأنبياء ولا بد أن يكونوا قد أوتوا كتابًا من الكتب السماوية.

الرأي الصحيح:

وأصح رأي في كل هذه الاختلافات عندنا الرأي القائل بأن المراد من أهل الكتاب اليهود والنصارى، سواء أكانوا من بني إسرائيل أم من غيرهم وكلمة"أهل الكتاب"ما وردت في القرآن إلا لهاتين الطائفتين، وقد صرح في موضع آخر بأنهما أهل الكتاب وذلك حيث يقول عز من قائل:"وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا" (الأنعام: 155 - 156) . أما الأمم الأخرى التي أرسلت إليها الكتب، فهي لما قد أضاعت كتبها ولم يبق شيء من معتقداتها وأعمالها يتفق وتعاليم الأنبياء، لا يجوز أن تطلق على إحداها كلمة"أهل الكتاب"، ولذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما جعل المجوس من أهل الكتاب على إيمانهم بزرداشت الذي يجوز الظن بكونه من الأنبياء. فلما أخذ الجزية من مجوس هجر قال:"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"ولم يقل أنهم من أهل الكتاب، ولما كتب إليهم يدعوهم إلى الإسلام قال بكل صراحة:"فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ومن أبى فعليه الجزية غير أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم [1] "فلا مجال للشبهة بعد ذلك بأنه يجوز أن تعد أمة غير اليهود والنصارى من أهل الكتاب لأجل أكل ذبائحها ونكاح نسائها.

أما رأي الإمام الشافعي رحمه الله، أي اشتراطه بالإسرائيلية، فلا يصح كذلك لأنه وإن كان الخطاب في دعوة موسى وعيسى عليهما السلام لبني إسرائيل وحدهم، إلا أن الله ورسوله قد عد من أهل الكتاب حتى الأمم غير الإسرائيلية التي انتحلت النصرانية، ويدل على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كتب إلى قيصر الروم يدعوه إلى الإسلام ضمن في رسالته هذه الآية:"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"مع أنه لم يكن الروم من بني إسرائيل.

(1) أحكام القرآن للجصاص: ج2 ص400 - 401.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت