والصحابي الثاني الذي قد حاول أن يضع الحد لإباحة الزواج بنساء أهل الكتاب، هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. يقول إن هذا الحكم خاص بالذميات دون الحربيات، فلا يجوز الزواج إلا بنساء اليهود والنصارى الذين هم من رعايا دار الإسلام، مهما كانت عقائدهم فاسدة، وأما أهل الحرب منهم -أي الساكنون خارج حدود دار الإسلام- فلا يجوز الزواج بنسائهم، ودليله على ذلك أن الله قد أمر المسلمين بقتال هذه الطائفة من أهل الكتاب وذلك حيث قال:"قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" (التوبة: 29) ، وأيضًا قد حرم على أهل الإيمان أن يوادوا من حاد الله ورسوله وذلك بقوله:"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" (المجادلة: 22) ، هذا من جانب، ومن جانب آخر (فلا) تقوم العلاقة الزوجية إلا على المودة والرحمة كما أشار إليهما القرآن في آية"خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" (الروم: 21) ، فعلى هذا، إذا كانت علاقة الزواج توجب المودة والمحبة، وكانت موادة الحربيين من المشركين وأهل الكتاب محرمة على المسلمين، وكان قتالهم واجبًا عليهم، فينبغي أن يكون زواج الحربيات محظورًا، سواء أكن من المشركين أم من أهل الكتاب.
هذا ما يحتج به سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، إلا أن جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الفقهاء ما وافقوه على رأيه كما لم يوافقوا سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على رأيه، وهم وإن كانوا كلهم يكرهون الزواج بامرأة من أهل الكتاب إذا كانت من دار الحرب أو دار الكفر، ولكن ما قال أحد منهم بحرمته، لأن إباحته المذكورة في قوله تعالى"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"شاملة لأهل الكتاب جميعًا، سواء أكانوا من أهل الحرب أم من غيرهم والله تعالى ما قيدها بشيء.
هذا بالنسبة للجواز القانوني. والمقصود مما قلنا أن هذا الجواز القانوني يجب أن يبقى على عين عمومه وشموله الموجودين في آية القرآن. أما كون هذا الزواج غير مناسب وجدير بالابتعاد عنه باعتبار المصالح القومية أو الظروف الشخصية، فهذا أمر آخر. لا يجوز لنا أن نحرم الحلال، غير أنه من حقنا ولا ريب، أن نجتنب فعلًا حلالًا إذا كان لا يناسبنا في وضع خاص أو لسبب خاص، إذ ليس معنى الحل والإباحة: الأمر واللزوم.
رأي جمهور الصحابة والأئمة واختلافاتهم:
والذين لا يوافقون عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما على رأيهما ويقولون بأن حكم الآية تحت البحث شامل لأهل الكتاب كلهم، يدور الخلاف بينهم، في معظمه، حول تفسير كلمتين وهما"الْمُحْصَنَاتُ"و"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ".
فالمحصنات عند جماعة منهم"العفائف"وهن عند جماعة أخرى"الحرائر"دون الإماء. فلا يجوز الزواج عند الجماعة الأولى إلا بالعفائف من نساء أهل الكتاب دون الفاحشات والمومسات منهن، ولا يجوز الزواج عند الجماعة الأخرى بالإماء من نساء أهل الكتاب ولو كن عفائف ويجوز بالحرائر منهن ولو كن فاحشات.