الصفحة 67 من 155

2 -وقد قيل قبل هذه الآية كذلك:"وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ". فهل المراد بهم هنا أيضًا أولئك المسلمين الذين قد دخلوا في الإسلام من اليهودية أو النصرانية؟ فإن قيل"لا"فعلى أي أساس جاز أن يفسر"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"في جزء من آية بمعنى غير المعنى الذي يفسرون به في جزء آخر من الآية نفسها.

3 -أية فرقة من فرق أهل الكتاب هي بريئة من الشرك أو الكفر؟ وهل بقي فيهم الاعتقاد السليم عن الله أو من أين كان لهم أن يهتدوا إليه؟ لقد كانوا حرفوا أصل تعاليم موسى وعيسى عليهما السلام، فأنى لهم أن يجدوا سبيلًا إلى صحة العقيدة حتى تكون فرقة منهم على الصراط المستقيم؟ إذن لا يصح القول أبدًا بأن المراد"بالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"في قوله تعالى"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"-فرقة من اليهود أو النصارى سليمة في اعتقادها. أما الآيات التي قد يخيل إلى الإنسان عند قراءتها أن في أهل الكتاب فرق سليمة في اعتقادها، فإنها تشير في حقيقة الأمر إلى أناس من أهل الكتاب كانوا قد آمنوا بالقرآن واتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، أو كادوا، بناء على طهارة قلوبهم وسلامة فطرتهم.

4 -وإذا فرضنا أن اليهود والنصارى فيهم طائفة كهذه، فإن الله تعالى ما قيد"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"بشيء يجوز الاستدلال به على أن هذا الحكم يرجع إلى تلك الطائفة وحدها وما هو بشامل لسائر أهل الكتاب فما لنا إذن أن نشغل أنفسنا بفحص معتقدات أهل الكتاب، ونقرر بمجرد قياسنا أنه لا يجوز للمسلمين أن يتزوجوا بنساء الفرقة أو الفرق الفلانية من أهل الكتاب، ولا يجوز لهم أن يتزوجوا بنساء غيرها من فرقهم؟

والذين قد أيدوا ابن عمر رضي اللهعنهما في رأيه، يستدلون كذلك بقوله تعالى"وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ"، إن هذه الآية إنما نزلت خاصة في أولئك الرجال والنساء الذين قد هاجروا من دار الحرب إلى دار الإسلام، والذين بقيت زوجاتهم -أو أزواجهن- على الكفر في دار الحرب، والمقصود من الآية بيان أن نكاح الجاهلية ينفصم من مجرد دخولهم في دار الإسلام، ويكون من حق الرجل المهاجر أن ينكح غير زوجته السابقة، ومن حق المرأة المهاجرة أن تنكح غير زوجها السابق -هذا المعنى يتحقق باعتبار شأن نزولها. أما إذا اقتصر أحد على نفس ألفاظها، فنقول إن الله عز وجل أنزل في موضع حكمًا عامًا بقوله:"وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ"وبين في موضع آخر أن جماعة من الكفار، وهم أهل الكتاب، مستثنون من هذه الحرمة العامة وذلك بقوله:"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ". وإنكم إذا كنتم لا تقولون بأن هذا الحكم الثاني قد خصص الحكم العام الأول، فلا بد أن تقولوا بأن هناك تناقضًا في أقوال الله عز وجل: يحل شيئًا في موضع ويحرمه في موضع آخر، والعياذ بالله.

رأي ابن عباس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت