الصفحة 66 من 155

وإنما عبد الله بن عمر من الصحابة وحدههو الذي كان لا يرى التزوج بنساء أهل الكتاب مطلقًا، وكان يقول: إن الله حرم على المؤمنين النساء المشركات في قوله تعالى:"وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... الآية". وكان يقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول -أي المرأة- إن ربها عيسى أو عبد من عبيد الله. ولذا فإنه يحرم التزوج بنساء كل من يوجد الكفر والشرك في عقيدته من أهل الكتاب، وقد فسر كلمة"والمحصنات"بالمسلمات، فمعنى الآية بموجب رأيه، أن لكم أيها المسلمون أن تتزوجوا أيضًا باللاتي يدخلن في الإسلام من نساء أهل الكتاب.

ولكن لا يصح في هذا الباب رأي عمر رضي الله عنهما، وذلك لأسباب نذكرها بالاختصار في ما يلي:

إن الله سبحانه وتعالى بنفسه قد بيّن في كتابه من معتقدات أهل الكتاب ما هو مبني على صريح الشرك كقولهم:"إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ"وكقولهم:"إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ"، وكقول اليهود:"عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ"، وقول النصارى:"الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ"، بل قد استعمل في شأنهم كلمتي الشرك والكفر، ولكنه على ذلك لم يذكرهم في أي موضع من كتابه بكلمة"المشركين"كاصطلاح لهم، وإنما ذكرهم في كتابه كله بكلمة"أهل الكتاب"أو بكلمات أخر لها نفس المعنى. إقرأ القرآن من أوله إلى آخره تجد فيه ثلاث طوائف مستقلة بعضها عن بعض: طائفة المشركين والكفار أي الذين ليس عندهم كتاب سماوي محرف أو غير محرف، وطائفة أهل الكتاب أي الذين يؤمنون بنبي من الأنبياء وبكتاب من الكتب السماوية على كل ما هم فيه من الضلالات الاعتقادية أو العملية، وطائفة أهل الإيمان وهم المؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بصرف النظر عما إن كانوا ولدوا في الإسلام أو دخلوا فيه من طائفة أهل الكتاب أو طائفة المشركين والكفار. والقرآن في ذكره هذه الطوائف الثلاث يميز بعضها عن بعض بما لا مجال فيه للاشتباه والالتباس، فهو لا يقول"أهل الكتاب"مطلقًا ويريد بهم المشركين، أو يقول"المشركين""أو الكفار"مطلقًا ويريد بهم اليهود والنصارى، أو يقول"الذين أوتوا الكتاب"مطلقًا ويريد بهم المسلمين. فإذا قال تعالى في موضع من كتابه"وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ"ثم قال في موضع آخر"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ -إلى آخر الآية وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"، فلا بد من القول بأنه ليس المراد"بالمشركات"في الآية الأولى نساء أهل الكتاب وإنما المراد بهن نساء الوثنيين وغيرهم من الأمم غير الكتابية. ونحن إذا لم نفسر كلمة"المشركات"و"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"بهذا المعنى، فإن ذلك يستلزم تعارضًا صريحًا بين آيتين من القرآن لا يمكن رفعه بمجرد أن يقال بأن المراد بالمحصنات من الذين آوتوا الكتاب من قبلكم"أولئك اللاتي كن قد دخلن في الإسلام من نساء اليهود والنصارى، أو أن المراد بهن نساء الفرق الكتابية المتنزهة عن الشرك والكفر، وذلك:"

1 -لأن الله عز وجل قد قال"الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ"قبل أن يقول"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"ليس المراد"بالمؤمنات"اللاتي قد ولدن في الإسلام فحسب، بل المراد بهن كذلك اللاتي قد دخلن في الإسلام تاركات أديانهن السابقة. فلما كان قد أحل الزواج بالمؤمنات عمومًا، وفيهن من كن يهوديات أو نصرانيات قبل الإسلام، فأية حاجة اقتضت إذن ذكر"المسلمات من الذين أوتوا الكتاب"بالذات بعدهن؟ والأمر لو كان هكذا لما كان لهذه الجملة أي معنى أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت