الصفحة 65 من 155

"قد طلب منا أحد إخواننا المخلصين بإلحاح شديد أن ننشر على صفحات"ترجمان القرآن"كلمة مفصلة عن زواج المسلمين بنساء أهل الكتاب، مستندين في ذلك إلى أحكامالكتاب والسنة لأن فتنة"الإفرنجيات"-كما يقول هذا الأخ الكريم- في تفاقم وانتشار في هذه الأيام. وقد اتخذ المسلمون من الإذن الشرعي في هذا الباب حيلة للاستمتاع بهن واستيرادهن بكثرة هائلة .. وعلى ذلك نشرنا في (ترجمان القرآن) كلمتنا الآتية":

مما لا مجال فيه للريب، أن هذه فتنة كبيرة. وقد كان من أثرها في باكستان ومصر وسوريا والكويت وغيرها من بلاد المسلمين، أن"السيدات الغربيات"قد دخلن في الكيان الاجتماعي للمسلمين، ثم عملن ما وسعهن لاستئصال الحضارة الإسلامية. وأخطر من ذلك وأفظع ما ظهر من هذه الفتنة من النتائج السياسية التي لا يستطيع مسلم معها، إن كان في قلبه إسلام وإيمان، أن يتمالك نفسه عن الأسف والحزن. وعلى هذا فإن كان المخلصون من أفراد المسلمين يشعرون اليوم بحاجة إلى أن يقوموا في وجه هذه الفتنة العارمة، ويضعوا لها حدًا معلومًا، فلا شك أن ذلك إن دلّ على شيء فإنما يدل على حبهم للإسلام ونصحهم للمسلمين، ولكن لا يصحّ عندنا التغيير والتعديل في أمر شرعي ثابت بإبراز وجه واحد من عدة وجوه من المصالح، وإغماض النظر عن الوجوه الباقية من المصالح. إن الذي قد أنزل القرآن هو حكيم عليم على الإطلاق، ينظر إلى كل المصالح والضرورات والحاجات بغاية من التوازن والتناسب، فلا بد لإدراك أحكامه وتطبيقها على الظروف الراهنة تطبيقًا سليمًا، أن نوسّع دائرة نظرنا، بقدر الإمكان، ثم نستعرض المصالح كلها، ما جلّ منها وما دقّ، استعراضًا شاملًا حتى لا نولي كل واحدة منها إلا نفس الرعاية والأهمية التي أولاها بها الشارع نفسه.

فالآية التي تبيح للمسلمين أن يتزوجوا بنساء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، هي كما يلي:"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ -وهن العفيفات- مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ -أي مهورهن- مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ" (المائدة: 5) .

اختلاف السلف حول تفسير هذه الآية.

لا شك أن السلف رحمهم الله قد اختلفوا كثيرًا حول تفسير هذه الآية، إلا أن جمهور العلماء في كل زمان إنما حملوا حكمها على ظاهر ألفاظها وعموم إطلاقها، إذا لا بد من الدليل لصرف حكم من أحكام القرآن عن ظاهره، وتخصيص عمومه، ولا دليل هنا أصلًا، ومن عسى أن يكون أكثر حكمة في تشريعه وتقنينه من الذي قد أنزل على عبده القرآن، فهو لو رأى حاجة إلى استثناء أو تخصيص في عموم"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ"لفعل ذلك. لأجل هذا، فإن جمهور الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين من السلف قد حملوا هذه الآية على الإذن العام في التزوج بنساء أهل الكتاب بدون قيد ولا شرط، بل قد تزوجهن جماعة منهم ولم يروا في ذلك بأسًا أخذا بعموم هذا الإذن، فقد تزوج عثمان بن عفان بنائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد الله يهودية من أهل الشام، وتزوج كل من حذيفة اليمان وكعب بن مالك والمغيرة بن شعبة بنساء من أهل الكتاب أو خطبوهن للزواج.

رأي عبد الله بن عمر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت