ومما يجدر بنا ذكره بهذه المناسبة، أن الأرقاء في الزمن القديم كانوا على ثلاثة أنواع: 1 - أسرى الحرب، و2 - الأحرار الذين كانوا يؤخذون ويسترقون ظلمًا فيباعون، و3 - الذين كانوا في الرق كابرًا عن كابر ولا يعرف متى كان آباؤهم قد استرقوا ومن أي النوعين رقهم. فلما جاء الإسلام، كان المجتمع الإسلامي في بلاد العرب وغيرها من أقطار العالم ممتلئًا بالأرقاء من هذه الأنواع الثلاثة، وعليهم تقريبًا كان يعتمد النظام الاقتصادي والاجتماعي في سيره أكثر مما كان يعتمد على الخدمة والأجراء. فالإسلام واجهته في مثل هذا الوضع مسألتان: الأولى عن مشكلة الأرقاء الذين كانوا موجودين في المجتمع إذ ذاك، والثانية عن حل مشكلة الرق في المستقبل. فجوابًا عن المسألة الأولى ما ألغي الإسلام دفعة واحدة حقوق الملكية التي كانت للناس على أرقائهم منذ الزمان القديم، لأنه لو فعل ذلك، لما عطل نظام البلاد الاقتصادي والاجتماعي بأسره فحسب، بل لجرّ البلاد أيضًا -إلى حرب داخلية مدمرة مثل الحرب التي ظهرت في البلاد الأميركية لما أقدمت على إلغاء نظام الرق، بل لظلت القضية على ظهور هذه الحرب بدون حل، كما بقيت قضية ذل الزنوج ( NEGROS) بدون حل في أميركا. فأعرض الإسلام عن هذا الطريق الخاطئ للإصلاح، وقام في البلاد بحركة شاملة قوية لمنح الأرقاء حريتهم، واستحث الناس بوسائل الترغيب والتلقين وأحكامالدين وقوانين البلاد على أن يمنوا على أرقائهم بالعتق لنجاتهم الأخروية أو تكفيرًا لذنوبهم حسب الأحكام الدينية، أو مقابل مقدار معلوم من المال يأخذونه منهم. فهذه الحركة القوية التي قام بها الإسلام في بلاد العرب، أعتق النبي صلى الله عليه وسلم بموجبها 63 رقبة، وأعتقت إحدى نسائه وهي عائشة رضي الله عنها 67 رقبة، وأعتق عمه العباس بن عبد المطلب في حياته 70 رقبة، وأعتق حكيم بن حزام رضي الله عنه مائة رقبة، وأعتق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ألف رقبة، وأعتق ذو الكلاع الحميري رضي الله عنه ثمانية آلاف رقبة وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف رقبة. ونجد مثل هذه النظائر كثيرة في حياة غير هؤلاء من الصحابة من أبرزهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما. فكأن الناس في ذلك الزمان كان بهم ولوع شديد بفعل الخيرات ونيل رضا ربهم، فكانوا لأجل ذلك يعتقون أرقاءهم ويشترون أرقاء غيرهم ويعتقونهم، حتى نال أرقاء الجاهلية كلهم حريتهم قبل انقضاء عهد الخلفاء الراشدين. أما قضية الرق بالنسبة للمستقبل، فعالجها الإسلام بأن حرم تحريمًا باتًا أن يؤثر حر ويسترق فيباع ويشترى. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله تعالى ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا ثم أكل ثمنه ورجل استأجر فاستوفى منه ولم يعطه أجره" [1] . غير أن الإسلام قد أذن -نعم أذن فقط ولم يأمر- باستعباد أسرى الحرب إن كانت حكومتهم لا ترضى باستردادهم من الدولة الإسلامية، ولا هم يفدون أنفسهم بأنفسهم. ولكن مع ذلك فقد ترك الإسلام مجالًا واسعًا في وجوههم لأن يشتروا حريتهم بالمكاتبة، كما أبقى في حقهم جميع التعاليم والأحكام المتعلقة بتحريض الناس على منح الحرية لأرقائهم القدماء، أي تحريرهم ابتغاء لمرضاة الله أو تكفيرًا للذنوب، أو وصية الرجل عند وفاته بعتق رقيقه بعده وهو ما يعبر عنه بالتدبير في المصطلح الإسلامي، أو نيل الأمة حريتها مع وفاة سيدها سواء أكان أوصى بعتقها أم لم يوص، إن كان استمتع منها فولدت له ولدًا. فهذا هو الحل الموفق الذي عالج به الإسلام قضية الرق.
(1) رواه البخاري وغيره.