الصفحة 61 من 155

أما قوله تعالى:"فَكَاتِبُوهُمْ"، فيقول طائفة من الفقهاء إن الأمر فيه للوجوب فإذا ما طلب عبد -أو أمة كذلك- من سيده أن يكاتبه، فعليه أن يجيبه إلى طلبه. هذا ما ذهب إليه عطاء وعمرو بن دينار ومحمد ابن سيرين ومشروق والضحاك وعكرمة وابن جرير الطبري والظاهرية، وبه كان يقول الإمام الشافعي أولًا، وتقول طائفة أخرى منهم الشعبي ومقاتل بن حيان والحسن البصري وعبد الرحمن بن زيد وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك بن أنس. إن هذا الأمر للاستحباب والندب، وبه قام الإمام الشافعي أخيرًا. أما الطائفة الأولى فتستدل بظاهر قوله تعالى:"فَكَاتِبُوهُمْ"لأنه أمر وهو للإيجاب. وبأثر مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر أنس بن مالك أن يكاتب سيرين أبا محمد ابن سيرين -الفقيه المحدث الشهير- فأبى فرفع عليه السوط وضربه وقال:"فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا"وحلف عليه ليكاتبه [1] . ووجه الاستدلال بهذا الأثر أن ذلك لم يكن فعلًا شخصيًا لعمر، بل إنه قد فعله على مشهد من الصحابة حيث لم ينكره عليه أحد منهم فهو تفسير مستند لآية القرآن هذه.

أما الطائفة الأخرى فتستدل بأن الله تعالى لم يقل (فَكَاتِبُوهُمْ) فحسب، بل قال: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) فإذا كان علم الخيرفي العبد يتوقف على رأي السيد وليس له من مقياس معين تختبره به المحكمة، مما ليس من شأن الأحكام القانونية، فإذن لا يؤخذ هذا الأمر بمعنى الحكم القانوني، وإنما يؤخذ بمعنى التوجيه والتلقين لفعل الخيرات. أما جواب هذه الطائفة عن قصة عمر وسيرين، فهو أنه لم يكن في ذلك الزمان عبد أو عدة عبيد طلبوا المكاتبة من سادتهم، بل كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين ألوف من العبيد وقد كاتب كثير منهم، ولكننا لا نجد مثالًا آخر سوى قصة سيرين هذه، لإكراه الحاكم أحدًا على مكاتبة عبده، فإذن لا يؤخذ فعل عمر هذا على اعتباره حكمًا محكميًا، وإنما يؤخذ على اعتبار أن عمر لم يكن قاضيًا بين المسلمين فحسب، بل كانت علاقته بأفراد الأمة مثل علاقة الوالد بأبنائه، فطالما كان يتدخل في أمور يتدخل فيها الوالد ولا يتدخل فيها الحاكم.

والمراد بالخير في قوله تعالى:"إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا"ثلاثة أمور: الأول: أن تكون بالعبد الأهلية لأداء مال المكاتبة بالكسب والحرفة، كما روى أبو داود في المراسيل عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا"قال:"إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس". والثاني: أن يكون من حيث الأمانة جديرًا بأن يعاهده سيده ثقة بصدق قوله، فإنه إذا لم يكن كذلك وكاتبه سيده، فلا يكون منه إلا أن يستريح من خدمة سيده وينفق كل ما يكسب في الوقت نفسه. والثالث: ألا يكون السيد يعرف فيه من النوازع الخلقية السيئة أو عواطف العداوة للإسلام والمسلمين، ما يخاف على أساسه أن تكون حريته خطرًا على المجتمع الإسلامي، وبكلمة أخرى يجب أن يكون العبد حيث يرجى منه أن يكون بعد حريته فردًا صالحًا من أفراد المجتمع الإسلامي لا عدوًا متربصًا له الدوائر. والذي ينبغي أن يلاحظ بصفة خاصة في صدد هذا البحث، أن أغلبية الأرقاء في ذلك الزمان كانت تتألف من أسرى الحرب، فكانت الحاجة شديدة جدًا إلى الدقة والاحتياط في أمر تحريرهم.

وقوله تعالى (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) : هذا أمر عام والخطاب فيه للسادة وعامة المسلمين والحكومة الإسلامية معًا:

(1) رواه البخاري في صحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت