هناك في هذا الصدد سؤال آخر يستحق منا التفكير، وهو: بأي دليل يجوز أن نعتبر حبس أحد من الناس في السجن مدى الحياة أو استخدامه بصورة إجبارية ( Forced Labour) وزجه في"الحظيرات الإنسانية"المسماة بمخيمات التركيز في العصر الحاضر خيرًا من جعله رقيقًا؟ إن الرق فيه من الحرية -نسبيًا- ما ليس في الصورة المذكورة، فقد يتاح فيه للإنسان أن يتزوج، وهو فيه لا يتعلق إلا بشخص واحد مدعو إلى أن يعامله بالرفق والإنسانية، كما أن له إذا كسب مرضاة سيده أو أدى إليه الفدية أن ينال منه حريته. وعليك أن تدرس أولًا ما قد عاملت وما تزال تعامل به روسيا وألمانيا أسرى الحرب، بل و"المجرمين"السياسيين من سكانهما. ثم اقض: هل إذا نشبت الحرب بيننا وبين عدو من هذا النوع، وعامل بمثل ذلك من عنده من أسرانا، فهل ينبغي لنا أن نعامل بنفس الهمجية والقساوة من عندنا من أسراه؟ أليس خير من ذلك وأقرب لمقتضى الإنسانية ذلك السلوك الذي أذن لنا به الإسلام وأكد علينا أن نتبعه نحو الأرقاء عندنا؟
تفسير آية المكاتبة:
"وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" [1] .
وقوله تعالى:"وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"... إلى قوله تعالى:"وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ"فالكتاب أوالمكاتبة المذكورة فيه: أن يطالب العبد -أو الأمة- سيده بحريته على أن يدفع له مالًا يتفق معه على مقداره. والسيد إذا أجابه إلى طلبته قيدت بينهما المعاهدة بالكتابة فهذه هي إحدى الصور التي جاء بها الإسلام لمنح العبيد والإماء حريتهم. وليس من اللازم أن تكون هذه المكاتبة مقابل المال فقط، بل تجوز في مقابل خدمة خاصة يقوم بها العبد لسيده بشرط اتفاقهما عليها. والسيد ليس له بعد كتابة المعاهدة أن يحاول التهرب من تحرير عبده، ويضع له العراقيل حتى يحول دون نيل حريته، بل عليه أن يتيح له فرصة العمل لجمع مال المكاتبة ويهب له حريته حينما يؤدي إليه في المدة المحدودة ما في ذمته من المال أو الخدمة حسب المعاهدة. فعن سعيد بن أبي سعيد المقبري أنه حدث عن أبيه قال:"اشترتني امرأة من بني ليث بسوق ذي المجاز بسبعمائة درهم، ثم قدمت فكاتبتني على أربعين ألف درهم فأديت إليها عامة المال، ثم حملت ما بقى، فقلت هذا مالك فاقبضيه. قالت: لا والله، حتى أجده منك شهرًا بشهر وسنة بسنة، فخرجت به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذكرت ذلك له، فقال عمر بن الخطاب ارفعه إلى بيت المال، ثم بعث إليها فقال: هذا مالك في بيت المال وقد عتق أبو سعيد فإن شئت فخذي شهرًا بشهر وسنة بسنة، وقال: فأرسلت فأخذته" [2] .
(1) مقتبس من تفسير سورة النور للأستاذ المودودي. (المترجم) .
(2) رواه الطبراني.