الصفحة 59 من 155

ثم إنه إذا تمتع بها، فإن الذرية التي تنجبها تكون ذرية شرعية ترثه ويرثها، ولا يجوز له بعد أن تصير أمًا لذريته أن يبيعها. وتنال حريتها مع موته فورًا سواء أكان أوصى بذلك أم لم يوص.

هذا هو قانون الإسلام على حقيقته بالنسبة لسبايا الحرب. فمن له أن يقول بعد ذلك أن الإسلام يخفف من قيوده الخلقية لقضاء حاجات جنوده الشهوانية في حالة الحرب بل الإسلام -على عكس ذلك- يشدد عليهم ويلزمهم كبح جماح نفوسهم حتى تسنح لهم فرصة للعلاقة المشروعة، مهما طالت المدة قبل سنوحها.

هذا، من جانب، ومن جانب آخر فالذي تدل عليه الأحاديث والآثار هو أن من واجبات الدولة الإسلامية أن تراعي ما خلق عليه الإنسان من الضعف وقلة الصبر، فتسهر على أن لا يقع جنودها من جانب وأزواجهم من جانب آخر في الفحشاء. والانحلال الخلقي لطول غيابهم عن بيوتهم، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"حرمت نساء المجاهدين على القاعدين -أي غير الخارجين للجهاد- كحرمة أمهاتهم". وقال:"ما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما يشاء فما ظنكم؟" [1] .

وبكلمات أخرى، فإن قانون الإجازة ما وضع موضع التنفيذ في الدولة الإسلامية، إلا لأن الدولة كانت تحب المحافظة على أخلاق جنودها وأزواجهم.

أما سؤالك: ألم تكن إباحة التسري في الإسلام نوعًا من البغاء؟ فالجواب عنه أنك إما جاهل بمعنى البغاء، أو بقانون الإسلام للتمتع بالسراري. أما البغاء فهو أن يستعير رجل من امرأة جسدها بالأجرة، بل قد راج في المجتمعات المتحصرة اليوم نوع جديد من البغاء وهو ما يقال له:"البغاء المتغازل"وفيه لا تنشأ العلاقة الموقتة بين الرجل والمرأة لقاء أجرة يتفقان عليها، بل تنشأ لقاء هدايا يقدّمها الرجل إلى المرأة. ولا تزال"السيدة"محتفظة بمكانتها في المجتمع. وأما قانون الإسلام للتمتع بالسراري فقد بيّنته آنفًا، فالأحسن أن تقارن بينهما قبل أن تقول إنهما شيء واحد.

السؤال:

إن الإسلام فيه من قوانين الرق ما يخيل إلينا أنه يريد الاستبقاء على الرق بصفة دائمة؛ ولكن في الإسلام -في الوقت ذاته- أحكام تدل بكل وضوح على أن الرق ما كان أمرًا مرضيًا، وإنما كان عتق الرقيق ومنحهم الحرية هو الأمر المرضي المنشود. (وإذا كان الأمر كذلك، فما السبب من عدم إلغاء الإسلام للرق) ؟

الجواب:

السبب في عدم إلغاء الإسلام للرق إلغاء باتًا نهائيًا، أنه استبقى عليه باعتباره حاجة من حاجات الحرب، ومن الممكن أن تتجدد هذه الحاجة كلما كان الاتفاق لا يتم بيننا وبين العدو على الفدية أو تبادل أسرى الحرب، وكانت دولتنا الإسلامية ترى في إطلاق سراح أسرى الحرب بدون فدية وبدون التبادل ما يخالف مصالحها ومصالح المسلمين. انظر بقطع نظرك عن الأحداث النادرة، تجد أن الدنيا ما كان يروج فيها مبدأ تبادل أسرى الحرب إلى أواخر القرن الثامن عشر للميلاد. ولا كان من الممكن للدول الإسلامية أن تستنقذ أسراها عند الدول غير الإسلامية بتسريح من عندها من أسراها. وإن كنت اليوم ترى في الدنيا رواجًا لمبدأ تبادل أسرى الحرب، فما ذلك بناء على حكم ديني، وإنما هو لمصلحة تستطيع كل أمة أن تنبذها نبذ النواة إذا ما شاءت، وليس من المستبعد اليوم أن نواجه عدوًا لدودًا يرفض نظام تبادل أسرى الحرب، ويأبى أن يطلق من عنده من أسرانا بأي شرط أو قيمة. فلو أن الإسلام ألزمنا بتسريح أسرى الحرب على أي حال، لكان في ذلك من الحرج علينا ما لا يخفى على عاقل بصير.

(1) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وأحمد بن حنبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت