فكيف للإسلام -والحالة هذه- أن يقدم علاجًا لقضايا هذا النوع من الجنود وحلًا لحاجاتهم؟ إن الغرب هو الذي ربّاهم على أخلاقه المادية، فهو المدعو إلى أن يقدم علاجًا لقضاياهم المخجلة. وأما الجنود الذين يعدّهم الإسلام، فلا يعدّهم ليخترقوا الحدود الجغرافية السياسية والاقتصادية أو يقيموها. وإنما يعدّهم لكسر شوكة الدنيا إن كانت منحرفة عن طاقة الله ولا تفيء إلى سبيله بالدعوة والإرشاد، حتى تكف عن الفتنة والفساد على الأقل، فهم عندما يجاهدون لتحقيق هذه الغاية السامية، لا يكون جهادهم في سبيل النفس وإنما يكون في سبيل الله، ولا يخرجون إلى ساحة الحرب إلا بدافع العبادة، نفس الدافع الذي يندفعون به إلى فناء المسجد، وهم قبل أن ينزلوا في ساحة الحرب يكلفون أن يجتازوا مرحلة متكاملة من تزكية الأخلاق وتطهير النفوس، وهم بجانب تدريبهم على تحطيم المنحرفين عن الله يدرّبون على إخضاع نفوسهم لأحكام الله، وعلى الاستسلام لها قبل أن يدعوا غيرهم إليها. كما يدرّبون على أن يذكروا الله ولا يتقدموا خطوة في ساحة القتال إلا على استشعار لعظمته، ويؤدوا الصلاة على وقتها، حتى في اشتداد القتال، ويقضوا الليل قائمين لله بعد أن قضوا النهار على ظهور الخيل أو الدبابات. فالظاهر أن جنودًا هذه تربيتهم، ولا يقاتلون إلا لغاية خلقية سامية ولا يبقون في منطقة الحرب إلا معتقدين أن فترات الحرب فترات عبادة لله، من المحال أن تشبه حاجاتهم الشهوانية حاجات الجنود العصريين، ومن المحال أن يودّوا الحرية لتحقيقها كما يودّها هؤلاء الجنود.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن أذن للمسلمين في المتعة زمن الحرب في أول عهدهم بالإسلام على ما ورد في بعض الروايات -وكانت العرب لا يرون فيها بأسًا قبل الإسلام- إلا أنه من الثابت أنه صلى الله عليه وسلم ما لبث إلا يسيرًا حتى حرّمها.
لا شك أن الإسلام قد أباح للمسلمين أن يتمتعوا بسبايا الحرب، ولكن من الجهل تفسير ذلك بأن الإسلام أباح لجنوده إذا دخلوا أرض الكفار أن يأخذوا نساءهم علنًا، ويزنوا بأية امرأة تعجبهم على غرار الجنود الفاسقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر في هذا الزمان. والحقيقة أن هذه الإباحة لها عدة شروط:
ليس حبس النساء وسبيهن بمنزلة المقصود الأصلي، حتى يجوز لجنود المسلمين أن يحبسوا نساء الكفار في الحرب كالغنم والبقر قضاء لشهواتهم، وإنما الذي تدل عليه النظائر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين، هو أن المسلمين لا يجوز لهم أن يمسكوا بهن إلا بإحدى الحالتين:
1 -إذا كنّ في جيش الكفار، فيقبضن عليهن كما يقبض على الرجال.
2 -إذا قاوم أهل قرية أو مدينة جنودالمسلمين ثم أخضعهم المسلمون عنوة، فمن حق قائد الجيش الإسلامي أن يحبس سكان تلك القرية أو المدينة جميعًا إذا رأى ذلك من مصلحة الإسلام، كما أن الجيش الإسلامي في هذه الحالة يأخذ كل امرأة -وكذلك كل صبي- قتل عنها أهلها من الرجال.
ثم إن النساء اللاتي يدخلن في حوزة الجيش الإسلامي بإحدى هاتين الحالتين، لا يجوز لأحد من الجنود أن يمسّهن ما لم تقرر الدولة الإسلامية اتخاذهن إماء، وما لم توزعهن بين الجنود على القاعدة المعروفة، وهي -أي الدولة- لا تقرر ذلك إلا حين لا يتم الاتفاق بينها وبين العدو على الفدية ولا على تبادل أسرى الحرب.
والمرأة التي تسلمها الدولة هكذا إلى رجل من المسلمين، لا يجوز أن يتصرف فيها إلا ذلك الرجل، ويوجب القانون بالنسبة له أن يصبر حتى تحيض مرة وذلك استبراء لرحمها، أي أن يعرف على وجه اليقين أنها غير حامل، وإذا كانت حاملًا فعليه أن يصبر حتى تضع، ولا يجوز له أن يطأها أثناء هذه المدة.