الصفحة 57 من 155

إن الجنود في هذا الزمان قد يخرجون من أوطانهم إلى مسافة آلاف من الأميال، بحيث يكون رجوعهم إلى أوطانهم قبل مدة سنتين على الأقل أمرًا مستحيلًا. فالمستقبحات الاجتماعية كالزنا مثلًا لا بد من انتشارها في مثل هذا الوضع، لأن الغرائز النفسانية لا بد من تهيجها في الجنود مع تهيج عاطفة الحرب فيهم، ولمنع ذلك تمامًا أو لوضع حد له فإن مشروع"البغايا المسجلات"قد لاقى راواجًا كبيرًا في هذه الأيام، كما إنه للترويح عن نفوس الجنود وتسليتهم تستخدم في المكاتب الفتيات اللواتي يسمونهن ( W.A.C.I) وكلا هذين المشروعين في منتهى الشناعة. فما الحل الذي يقدمه الإسلاملمعالجة هذه العقدة بعد إلغاء هذا المشروع؟ وإلى أي حد باستطاعة نظام السراري أن يزيل ما في هذا المشروع من نواحي القبح؟ أو ليس هو أيضًا عبارة عن البغاء المرخص.

الجواب:

في سؤالك عقدة، لعلك ما تنبهت إليها حين تسجيلك هذا السؤال وهي أن القضية التي تسأل عنها وتريد أن تعرف لها علاجًا حاسمًا، ليس فيها أمام عينيك إلا جنود العصر الحاضر وحاجاتهم ولكنك تطلب حلها من الإسلام، مع أن الجنود الذين قد تكفل الإسلام بتحقيق حاجاتهم، هم جنود الإسلام، لا جنود الفساق والفجار والجبابرة.

إن الجنود في العصر الحاضر لا يدرّبون إلا للحرب والقتال، وإن الدول التي تعنى بتدريبهم لا تجعل نصب عينها غاية خلقية سامية. فهي إن كانت تعدّ لها جيشًا قوميًا، فإنما تحاول أن تخلق فيهم معنويات هي تحتاج لها لرفع لواءها القومي وإبقائه مرفوفًا على ربوعها، والظاهر أن لا مكان في هذه المعنويات لعنصر طهارة الأخلاق ونزاهتها، لأن هذه الدول لا تخلق في جنودها إلا معنويات تنشأ عليها كلاب الصيد ليظلوا أوفياء لمن يرزقهم ولا يمسكوا الصيد إلا له ولا يمسكوه لأنفسهم أبدًا. وفضلًا عن هذا فبأي مبرر تكون جيوشها ملتزمة بقيود الأخلاق، ما دامت وجهة نظرها إلى الحياة كما عبّر عنها في الكتاب الإلهي:"إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ"؟ أو كما قال الشاعر العربي:

تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار

لأجل هذا فإن جنودها يبلغون ذروة الكمال في فنون الحرب والقتال، ولكنهم من وجهة طهارة الأخلاق منحدرين إلى درجة من الانحطاط والتدهور لا يمكن للإنسان أن يتصورها. فهم يزوّدون بالقدر الأوفر من الطعام، ويقدّم إليهم قدر ما يشتهون من قوارير الخمر، ويعطون المصاريف بكل سخاء، ثم يطلق حبلهم على غاربهم كالفحول ليرووا غليلة نفوسهم في أي مكان وبأي طريق يشاءون. كما أنالحكومات نفسها تقيم لها المواخير، وتنشئ في فتيات بلادها عاطفة عارمة ليعرضن أجسادهن تطوعًا على الجنود المحاربين في سبيل الشعب والوطن، ويعتبرون هذا الصنيع تضحية في سبيل الشعب والوطن جديرة بالاعتزاز والتقدير، ولكن حين لا تبرد النزوات الهائجة فيهم، يخلى بينهم وبين أن يساوموا الأبكار في أجسادهن بالمال، أو يسلبوهن إياها بالقوة إينما يرونهن في القطيع الإنساني. فالجنود إذاّ ربّوا على هذا اللون، فالله وحده يعلم: إلى أي مدى تشتد حاجاتهم الشهوانية، وبأي شكل مربع يقضونها حين يدخلون في بلاد أعدائهم فاتحين ظافرين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت