أما المسلمون الذين يتمتعون بحقوق الملكية لأمثال هؤلاء الأسرى، فقد قررت الشريعة بالنسبة لهم أن لا حق لواحد منهم في رفض طلب العبد أو الأمة إذا ما طلب منه -أو طلبت الأمة- أن يكاتبه. والمكاتبة هي أن يطالب العبد -أو الأمة- سيده بتحريره على أن يكسب قدرًا محددًا من المال ويدفعه إليه مقابل حريته، ولا بد للسيد من وجهة القانون أن يمهل العبد -أو الأمة- إلى مدة معلومة ثم يعتقه إذا أدى إليه مبلغ فديته خلال هذه المدة. وقد ورد الأمر بذلك صراحة في قوله تعالى:"وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا" [1] .
وليس المراد من إباحة بيع العبيد والإماء إلا أن ينقل الشخص الذي يملكهم حقه عليهم في أخذ الفدية منهم أو استخدامهم قبل أخذ الفدية، إلى غيره مقابل التعويض المالي. وهذا الترخيص القانوني يمكنك أن تدرك المصلحة التي تنطوي عليها على أكمل وجه إلا إذا صادف أن أمسكت برجل من جنود العدو كأسير حرب. فليس استخدامه بأمر هين، كما أن ليس إمساك امرأة من نساء العدو بأمر سهل وميسور، فلو لم يسمح لأحد من المسلمين عند عجزه عن استخدام رجل أو امرأة من الأسرى بأن ينقل حقوق ملكيته عليه أو عليها إلى غيره، لأصبح هؤلاء الأسرى داء عضالًا بالنسبة لكثير من المسلمين.
وأي علاج يمكن أن يكون أنجع لسبايا الحرب -حين لا يتم تبادلهن ولا فديتهن- من أن يكون لمن سلمت إليه واحدة منهن من قبل الحكومة، الحق القانوني في أن ينشئ معها العلاقة الجنسية؟ ولولا هذا العلاج لكانت هؤلاء السبايا وسيلة دائمة لانتشار المجون والخلاعة في المجتمع. ومن جهة القانون ليس هناك فرق كبير بين ملك اليمين وعقد النكاح، بل في صورة ملك اليمين نجد أن الحكومة هي التي تسلم امرأة إلى رجل بوجه علني معروف. ثم إن المكانة الاجتماعية التي قد أعطتها الشريعة لهؤلاء النساء هي أن واحدة منهن إذا دخلت في ملك يمين شخص معلوم، فما لأي شخص غيره أن يمارس معها العلاقة الجنسية، وأن الذرية التي تنجبها بعد ذلك لا تنتسب إلا إلى هذا الشخص الذي يملكها، وترثه ذريته من الأمة كما ترثه ذريته من زوجته الحرة. وقد قررت الشريعة كذلك أن لا حق لشخص أن يبيع أمته إذا ولدت له ولدًا، وأن تنال الحرية مع موته فورًا.
والحكمة في عدم تحديد عدد الإماء للتمتع، هي أنه لا يمكن تحديد عدد السبايا في الحرب. فإذا بلغ عددهن في حرب ما مبلغًا كبيرًا، فأي تدبير يمكن أن يتخذ لاستهلاكهن في المجتمع لو وضع الحد لعدد الإماء للتمتع منذ ذي قبل؟
وأما إذا كان الأثرياء والأمراء في القرون الأخيرة قد اتخذوا من هذه الرخصة الشرعية منفذًا لترفهم، فالظاهر أنهم ما فعلوا ذلك إلا خلافًا لمقصود الشريعة، ولكن قل لي بالله لو أن ثريًا أو أميرًا أراد لنفسه الترف وسعى في استغلال رخص القانون ضد مقصود القانون، فهل لضابطة النكاح أيضًا أن تكون عرقلة في سبيله؟ أليس باستطاعته أن ينكح كل يوم امرأة جديدة ثم يطلقها غدًا؟
أما ما قلت عما يجري في بعض البلدان اليوم، فلا أعرف تفاصيله، وإنما لي أن أقول مبدئيًا إنه من الحرام في الشريعة اقتناص الأحرار من بني الإنسان ثم بيعهم وشراؤهم.
السؤال:
(1) النور: 33.