الصفحة 55 من 155

إن الشارع لم يبح التمتع بعدد غير محدود من الإماء ليكون المسلم في بيته مثل امرئ القيس في مملكته، لا يقضي ليله ونهاره إلا لاهيًا مستهترًا في حشد من الغيد الحسان، وإنما كان قصده بهذه الإباحة أن يكون بإمكان المجتمع، إذا واجه في زمن من الأزمان ظروفًا غير عادية تضخم فيها عدد النساء فوق المعتاد دفعة واحدة، أن يعالج هذه المشكلة بكل سهولة ولا تنشر في المجتمع المفاسد الخلقية من جراء ذلك. وفي الشريعة لتحقيق هذا الغرض عدة صور منها أن تزوج الإماء بالعبيد، ومنها أن يزوجن بالذين لا يستطيعون طولًا أن ينكحوا المحصنات لغلاء المهور، ومنها أن يتزوجن سادتهن بعد عتقهن، ومنها أن يتمتع بهن من كن في حوزتهم من أفراد المجتمع ولو بدون عتقهن.

وما كان قصد الشريعة كذلك بإباحتها بيع الإماء وشراءهن، أن يوفر أصحاب الترف والبذخ عددًا هائلًا منهن في بيوتهم لمجرد الاستهتار وإرواء غليل الشهوات ثم يبيعوهن في السوق إذا شبعوا بهن ليشتروا مكانهن فوجًا آخر، وإنما أحل بيعن وشراءهن نظرًا للحاجات التي يواجهها الإنسان في حياته على الوجه العام، مثل أن قد أفلس ولم يعد باستطاعته أن ينفق على عبد أو أمة، أو أن قد تجمع عنده العبيد والإماء أكثر من حاجته، أو أنه لا يحب منهم عبدًا أو امة. فهل كان على الشريعة أن تصرف النظر عن كل هذه الملابسات وتلغي بيع الإماء وشراءهن بتاتًا لا لشيء إلا لأن فريقًا من الناس يستغلون هذا الحق القانوني على وجه فظيع؟ إن الإمكان لمثل هذه المفاسد يوجد ولا شك حتى في قانون النكاح والطلاق، فلشخص إذا شمر عن ساقه لارتكاب"الزنا المشروع"أن يتزوج كل يوم امرأة جديدة على دراهم معدودة، ثم يطلقها غدًا ليبحث عن امرأة أخرى. فهل من الصحيح، خوفًا من مثل هذه الشرور الفردية، أن يضاف إلى قانون النكاح والطلاق من القيود ما يضيق به عامة الناس ذرعًا ويتكدر عليهم صفو حياتهم؟

السؤال:

أولًا: هل تبيحون للمسلمين في نظامكم الإسلامي أن يتخذوا العبيد والإماء من أسرى الحرب؟ وهل تبيحون لهم كذلك أن يبيعوا ويشتروا هؤلاء العبيد والإماء؟ وهل تبيحون لهم كذلك أن يتمتعوا بهؤلاء الإماء، علاوة على أزواجهم، بدون تحديد عددهن؟

ثانيًا: وهل تبيحون في نظامكم الإسلامي في باكستان بيع وشراء العبيد والإماء -علاوة على العبيد والإماء من أسرى الحرب- كما يشاهد ذلك في بعض البلدان اليوم؟

الجواب:

إن الشريعة ما أباحت استرقاق أسرى الحرب إلا إذا كانت الأمة المحاربة لنا لا ترضى بتبادل الأسرى. ولا خلت سبيل أسرانا عندها بأخذ الفدية، ولا استنقذت أسراها عندنا بأداء الفدية. إنك إذا فكرت قليلًا علمت بدون ما ريب أن الأسرى إذا بقوا في حوزة دولة في مثل هذا الوضع، فإنها لا بد أن تقتلهم، أو تحبسهم مدى الحياة في"الحظائر الإنسانية"التي تعرف اليوم بمخيمات التركيز ( Concentration Camps) وتجبرهم على الخدمة المجانية دون أن تجعل لهم نوعًا من الحقوق الإنسانية. وهذا الوضع فيه من الظلم والاضطهاد والقساوة ما لا يخفى على أحد. وهو، فضلًا عن هذا، غير نافع حتى للدولة التي يعيش فيها عدد هائل من أمثال هؤلاء الأسرى كعنصر أجنبي بصفة دائمة. فالذي قد عالج به الإسلام مثل هذا الوضع، هو توزيع هؤلاء الأسرى بين المسلمين فردًا فردًا، وتحديد المنزلة القانونية لهم في الحياة الاجتماعية. فالرابطة الفردية التي تتوثق هكذا بين كل أسير من الأسرى وكل بيت من بيوت المسلمين، هي أدعى إلى أن تكسبهم أسباب الشرف ومظاهر العزة والكرامة والإنسانية في المجتمع، ويذوب جزء غير يسير منهم في المجتمع الإسلامي مع مرور الأيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت