الصفحة 54 من 155

أما سؤالك الأخير، فيبدو أنه ما نشأ في ذهنك إلا على افتراض أن النساء المسلمات اللاتي يصيبهن الكفار في الحرب، إنما يعاملونهن معاملة أخواتهن وبناتهم، فهل لافتراضك هذا أساس من الصحة في واقع الأمر؟ وأما قولك: كيف لنا أن نحتج على ذلك؟ فالجواب عليه أننا لم نكن لنرضى باستعباد الرجال فضلًا عن أن نتسرى بالنساء، فلو أن الكفار رضوا بمبادلة أسرى الحرب، لما أصررنا أبدًا على أن يكون عندنا رجل من رجالهم عبدًا ولا امرأة من نسائهم أمة. فالحقيقة أن الرق إن كان قد بقي قائمًا مزدهرًا في الأرض، وظلت الأمم تتسرى بنساء أمم أخرى وتتمتع بهن إلى عدة قرون، فما ذلك لخطيئة منا أو لقصور في تعاليم ديننا، وإنما كانت تبعة ذلك على أولئك الذين أبوا إلى عدة قرون أن يتبعوا في شأن أسرى الحرب طريقًا مهذبًا معقولًا.

السؤال:

لا يجوز للرجل بموجب حكم الشريعة أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات ولكن يجوز له أن يجمع بين أي عدد شاء من الإماء، فما هو السبب في ذلك؟ والذي يبدو أن إباحة الشريعة للرجل أن يجمع بين أي عدد شاء من الإماء قد أضاعت كل فائدة أرادتها الشريعة وراء وضعها الحد للجمع بين الزوجات، فقد فتحت على وجه المترفين باب البذخ والترف بكل معنى الكلمة، وأعطت للأثرياء والأمراء رخصًا لأن يشتروا عددًا كبيرًا من النساء ويتمتعوا بهن كيفما شاءوا في داخل بيوتهم. وإني لا أقول ذلك على حدس أو افتراض مني، بل هو ما قد ظل المسلمون يسيرون عليه فعلًا في تاريخهم الماضي، فهل نرجو منكم تأويله بشيء معقول مقنع؟

الجواب:

الجواب الموجز عن سؤالك هو: أن المصالحالمدنية المهمة التي على أساسها أباحت الشريعة التمتع بالإماء، تضيع بوضع حد معلوم لعددهن، وذلك أنه من المحال أنيحدد عدد النساء اللواتي سيدخلن في دار الإسلام كسبايا في حرب من الحروب، أو تحدد نسبتهن من عدد المسلمين في زمن من الأزمان. فإن لم يكن المقصود بإباحة التمتع إلا إغلاق باب المفاسد الاجتماعية الناشئة من تضخم عدد النساء بصورة غير عادية، فكيف كان من الممكن أن يوضع حد للتمتع ما دامت نسبة النساء غير معلومة لكم؟ إن الحكيم العليم الذي قد شرع هذا القانون، لا ينظر إلى الأمور في زمن واحد من ناحية واحدة فحسب، وإنما يحيط نظره الشامل بكل ما للأمور من النواحي المختلفة.

أما الشبهة بأن إباحة التمتع بعدد غير معلوم من الإماء تفتح على الناس باب الشرود الفكري، وأنه من الممكن ما دامت الإماء قابلات للبيع والشراء أن يشتري الأثرياء والأمراء فوجًا عظيمًا منهن ويجعلوا من بيوتهم أوكارًا للترف والبذخ، فإن هذه الشبهة وكثيرًا من الشبهات من هذا النوع لا تنشأ عمومًا إلا لأن الناس إنما ينظروا إلى إباحة الشريعة التمتع بالإماء من ناحية واحدة، وتغيب عن بالهم سائر نواحيها. فاعلم أن الشارع إنما شرع قانونه لصالح الإنسان، وما كل ما في هذا القانون من الرخص والتسهيلات إلا لأجل الحاجات الحقيقية التي تواجه الإنسان فعلًا أو من المنتظر أن تواجهه في حياته. فإن كل فريق من الناس يستغلون هذه الرخص والتسهيلات لتحقيق أغراض باطلة ما كان الشارع قررها في قانونه لتحقيقها، فمرجع ذلك غباوتهم وقلّة فهمهم أو شراسة طبائعهم وجماح نفوسهم، ولكن لا يرجى من الله الحكيم العليم أن يجعل في قانونه حرجًا يتعذر على الناس معه قضاء حاجات لهم حقيقية خشية أن يكون فريق منهم يأتون أو من الممكن أن يأتوا بمثل هذه الأخطاء الفردية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت