الصفحة 53 من 155

وسببه الأول أن الإنسان منذ فجر تاريخه قد فرّق بين الرجل والمرأة في العلاقة الزوجية. بل إن هذا التفريق مما قد أودع فطرته [1] . فالشعور بالعفاف في المرأة أكثر منه في الرجل، ويرجى من المرأة أن تحافظ على عفافها أكثر من الرجل، ولعفافها من الأهمية ما ليس لعفاف الرجل، فإن الرجل إذا ارتكب الفاحشة لا ينظر إليه بنظرة فيها الازدراء كما ينظر بها إلى المرأة إذا ارتكبت الفاحشة، وإن قيمة المرأة تهبط إلى نصفها بعد زوال بكارتهابينما لا يحدث فرق في قيمة الرجل ولو كان قد تزوج عشرات من النساء، وإن المرأة إذا تعلقت برجل من غير قومها، فإن كل قومها يرون في ذلك نيلًا من كرامتهم وحطًا من شأنهم، ولكن لا يعاب الرجل كثيرًا إذا تعلق بامرأة من غير قومه. كل ذلك من الفطرة الإنسانية قد رعاه الإسلام إلى حد ما ولكنه لا يتردد في خرق هذا الحد إن بلغ حدًا من حدود الجهالة، فهو -مثلًا- يبيح للرجال أن يتزوجوا بنساء أهل الكتاب ولكن لا يبيح للنساء أن يتزوجن برجال أهل الكتاب، كأنه إلى ههنا قد رعى الفطرة الإنسانية، ولكن إذا أسلم رجل من النصارى أو اليهود، فهو -أي الإسلام- يبيح لكل امرأة مسلمة، من أي بيت عريق في المجد والشرف، أن تتزوج به بدون أدنى تردد. أما الاعتقاد بكراهة زواجها به لمجرد أنه من حديثي العهد بالإسلام، فهو اعتقاد فاسد مكروه في نظر الإسلام. ولعمري إنك إذا أدركت هذه القاعدة، يسهل عليك أن تعرف لماذا لا يبيح الإسلام للمرأة أن تتمتع بعبدها.

والسبب فيه أن المرأة إذا فعلت ذلك هبطت في المجتمع قيمتها، وقلما يرجى أن يرضى بزواجها رجل من أكفائها إذا قطعت علاقتها بعبدها وأرادت أن تتزوج رجلًا في مجتمعها. لا هذا فحسب، بل إنها إذا تمتعت بعبدها انحطت مكانتها حتى بين أسرتها، لأن كل ما للمرأة من الوزن في الحياة العائلية إنما هو بفضل زوجها، وما زوجها هنا إلا عبد ليس له ما للحرّ من مركز محترم. كأن الإسلام إلى ههنا قد راعى الفطرة الإنسانية. ولكن إذا صار العبد معتقًا أي حرًا جاز أن تتزوج به كل امرأة مسلمة من أي بيت عريق في المجد والشرف، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه زوج ابنة عمته بمولاه زيد بن حارثة.

والسبب الثاني الأهم لعدم إباحة الإسلام للمرأة أن تتمتع بعبدها، أن ملك اليمين هو بمنزلة النكاح للرجل وما هو كذلك للمرأة، لأن القانون الذي شرعه الإسلام للحياة العائلية عماده أن يكون الرجل قوامًا على المرأة ولذلك أوجب على الرجل صداق المرأة، وآتاه درجة من السلطة عليها حتى يسهر على شأنها، ويدافع عنها ويمارس في بيته من سلطة الحكم ما لا بد منه لإصلاح نظام الحياة العائلية والمحافظة عليه. وإن هذه المصلحة العظمى تفوت إذا ما تمتعت المرأة بعبدها، لأن علاقتها به قد تحقق مآرب النفس، ولكنها لا تحقق أبدًا تلك الأغراض الأخرى المنشودة في النظام المدني الإسلامي، والتي لا بد من رعايتها في العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة بموجب حكم الشريعة. وذلك أن الرجل في هذه الحال يكون تابعًا للمرأة لأنه عبدها، ولا يكون له في البيت من السلطة ما يجب أن يكون له للسهر على الأخلاق والمعاملات، ولإصلاح نظام الحياة العائلية والمحافظة عليه بصفة كونه رجلًا.

(1) لا يناسب هذا المقام أن نتكلم على أسبابه الطبيعية والنفسية، فلمن أراد معرفة هذه الأسباب على وجه شامل أن يراجع فصل:"قوانين الفطرة"في كتابنا:"الحجاب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت